مع عودة مسلسل “And Just Like That” إلى الشاشات، تجددت مشاعر الحنين لدى جمهور تعلق بشخصيات نشأ على متابعتها: Carrie، و Miranda، و Charlotte، وبشكل عابر، Samantha. إلا أن مسلسل “Sex and the City” لم يغب يومًا عن الذاكرة الثقافية، بل ظل حاضرًا في النقاشات الاجتماعية، محافظًا على مكانته كعمل رمزي لا تزال أصداؤه تتردد حتى اليوم، بعد أكثر من عقدين على عرضه الأول في عام 1998.
وبالنسبة لمن تابعوا المسلسل عند صدوره، بدت Carrie Bradshaw حينها رمزًا للرومانسية الخالصة: امرأة تعشق الحب لذاته، وتحطمها عاطفيًا علاقة مع رجل كـ”Mr. Big”، الذي لا يمنحها سوى نصف مشاعر. غير أن الزمن كفيل بتغيير الزوايا، ومع إعادة المشاهدة من قبل جيل الألفية أو الجيل الجديد المعروف بجيل الـ”Gen Z”، تبدأ الصورة في التحول، وتطرح تساؤلات جديدة: هل كانت Carrie حقًا الضحية في كل هذه العلاقات؟ أم أنها كانت الطرف المؤذي دون أن تدري؟
فلنغص سويًا في أعماق هذه الشخصية المعقدة، متجاوزين أحذية الManolo وتصفيفات الشعر الفوضوية، لاكتشاف شخصية Carrie Bradshaw الحقيقية: تلك التي قد تكون سامة أكثر مما كنا نتصور.
لم تكن Carrie تحب الرجل… بل كانت تعشق المطاردة
منذ أول ظهور لعلاقة Carrie بـBig، بدا أن هذا الرجل لم يكن مستعدًا لأي شكل من أشكال العلاقات العاطفية الحقيقية. لم يخف يومًا تردده، بل شكلت تصرفاته المتحفظة والغامضة إنذارًا دائمًا لأي شخص يراقب العلاقة من الخارج. Big كان أشبه بإشارة تحذير أنيقة، يتنقل بين المناسبات الاجتماعية مرتديًا بدلات مصممة من Armani، لكنه يخفي خلف أناقته جدارًا من الانغلاق العاطفي يصعب اختراقه. ورغم كل هذه الإشارات، ظلت Carrie متعلقة به، ليس كرجل، بل كفكرة… كرمز لعلاقة غير مكتملة تعتقد أنها وحدها قادرة على تحويلها إلى قصة حب خالدة. اختارت، بعناد رومانسي، أن تتجاهل الحقائق الظاهرة للعيان، وأن تفسر غموضه كنوع من العمق، وبروده كدلالة على حساسية داخلية لم تكتشف بعد.
وحتى بعد أن انفصلا، وارتبط هو رسميًا بامرأة أخرى تصغره سنًا، Natasha ذات السبعة والعشرين ربيعًا، لم تستطع Carrie التخلي عن حلمها المؤجل. عادت لتقتحم حياته مجددًا، ولكن هذه المرة في دور مختلف، دور “المرأة الأخرى”، وهو دور لا يخلو من الأنانية، بل ربما يحمل في طياته نوعًا من القسوة الأخلاقية التي يصعب تبريرها. والمفارقة العظمى تكمن في اللحظة التي تحققت فيها رغبة Carrie أخيرًا، حين منحها العلاقة التي لطالما حلمت بها… فإذا بها تبدو وكأنها فقدت اهتمامها. شعرت بنفاد الشغف. لماذا؟ لأن اللعبة انتهت. لأن التحدي اختفى. لقد حصلت على ما كانت تظنه هدفًا، لتكتشف أنه لم يكن هو الغاية، بل كانت المطاردة نفسها هي ما يغذي عاطفتها. لم تكن واقعة في حبه كشخص حقيقي، بل كانت أسيرة لفكرة الحب المستحيل، لفكرة المطاردة، والتشويق، واللهاث وراء علاقة يصعب الإمساك بها.
كانت Carrie بمثابة Big في حياة Aidan
دعونا ننتقل إلى Aidan، رجل هادئ، حنون، حاضر عاطفيًا بشكل لا لبس فيه، أحب Carrie بصدق واحتواها بعفوية واستعداد دائم للالتزام. ومع ذلك، كيف قابلت Carrie هذا الحب الناضج؟ بكل أسف، قابلته بالتردد، بعدم الوفاء، وبخيانة يصعب تبريرها. لقد خانته مع Big، الرجل الذي كسر قلبها مرارًا. ثم، بعد أن كشف الأمر، توسلت إلى Aidan ليمنحها فرصة ثانية، لتعود من جديد إلى دوامة التردد والارتباك.
أصبحت Carrie في حياة Aidan ما كان Big في حياتها، شخصًا غير مستقر عاطفيًا، يرسل إشارات متضاربة، ويتسبب في ألم غير مستحق. والمفارقة المؤلمة؟ أنها لم تكن يومًا واعية لذلك. فعندما نشاهدها تتلاعب بمشاعر Aidan بينما تلعب دور الضحية، يتضح كم الأذى الذي تسببت فيه دون اعتراف، في سعيها الدائم وراء “الحب الحقيقي”.
لم تكن Carrie “الصديقة المثالية” كما صورها المسلسل
ربما حاول المسلسل تقديم Carrie Bradshaw على أنها الرابط الأساسي الذي يجمع بين أفراد المجموعة، الصديقة المتفهمة التي تجلس إلى جانبهن تحتسي الكوزموبوليتان وتوزع النصائح الحانية والداعمة. ولكن، ما إن نزيح القناع عن هذه الصورة السطحية، حتى تظهر لنا نسخة مختلفة تمامًا من Carrie، نسخة تتسم في كثير من الأحيان بالأنانية، واللامبالاة، بل وبالقسوة في بعض المواقف.
فقد حكمت على اختيارات Charlotte الحياتية وكأنها فوقها، وتعاملت مع إيجابية Samantha تجاه حياتها الجنسية بنبرة استعلائية متخفية. كما أنها كثيرًا ما تجاهلت حدود Miranda الشخصية، وتعدتها دون اعتبار لمشاعرها. وصلت الأمور لدرجة أنها أشعرت Miranda بالذنب تجاه معاناتها مع Steve، في إيحاء واضح أن أولوياتها يجب أن تكون في المقدمة دائمًا.
لم تكن Carrie دائمًا تلك “الصديقة الرائعة” التي أرادنا صناع العمل أن نصدقها. بل كانت، في نظر نفسها، البطلة الأولى في كل رواية، حتى عندما لم تكن القصة عنها. وكانت، بطريقة أو بأخرى، تحتل موقع البطولة في سرديات الآخرين أيضًا، سواءً أرادوا ذلك أم لا.
لا يمكن القول إن Carrie Bradshaw كانت شريرة أحادية الأبعاد، كما لا يمكن منحها لقب “الشهيدة العاطفية” التي ضحت دومًا من أجل الحب، كما صورت في كثير من الأحيان. الحقيقة أنها شخصية شديدة التعقيد، مليئة بالتناقضات، بقدر من العيوب يصعب إنكاره. وإن أردنا الصدق، فإنها كثيرًا ما كانت سامة في علاقاتها. وربما كان ذلك تحديدًا هو سر جاذبيتها واستمرار حضورها في أذهان الجمهور حتى اليوم: لأنها تعكس جوانب خفية فينا لا نحب أن نعترف بوجودها، منهم الغرور، القلق، الحاجة المستمرة للإثبات والاعتراف من الآخرين.
فهل كانت Carrie Bradshaw شيطانة في هيئة ملاك؟ ليس تمامًا. لكنها بالتأكيد لم تكن تلك الملاك المنتعل حذاء Manolo Blahnik الذي آمنت به جماهير المسلسل ذات يوم.
