تربطني بملحمة “الأوديسة” علاقة معقدة؛ والمقصود بذلك أنني قرأتها مرتين في مرحلتين مختلفتين من حياتي، وفي كل مرة كنت أجد نفسي منحازة لشخصية مختلفة عن الأولى.
في السابعة عشرة من عمري، كنت مأخوذة لشخصية “أوديسيوس”: دهاؤه، حيل تنكره، وكونه الرجل الذي يستطيع الخروج من أي مأزق عبر براعة الحديث—حتى لو تطلب الأمر التملص من اسمه شخصياً. أما في أوائل عشرينياتي، فكان الانحياز لـ “بينيلوبي”؛ وأعتقد أن هذا التحول هو ببساطة ما يحدث عندما نكبر في السن.
لكن ما أثار دهشتي عند إعادة القراءة هذه المرة—وبطريقة لم أعهدها من قبل—هو تفاصيل جدول رحلته: من بين السنوات العشر التي قضاها أوديسيوس في طريق العودة إلى دياره، قضى سبع سنوات منها على جزيرة “كاليبسو”، وسنة كاملة مع “سيرسي”. وإذا أجريتِ الحسبة البسيطة التي يقصد هوميروس بوضوح أن تجريها، ستجدين أن الرجل كان تحطم سفينته حقيقةً، يخوض المعارك للعودة، ويواجه العقاب الإلهي، لمدة تقارب العامين فقط! أما باقي العقد، فكان في أكثر التفسيرات كَرَماً ومراعاةً… مجرد ضيف يُستضاف.
في المقابل، كانت بينيلوبي تنسج غزلها بالنهار، وتنقضه بالليل، تماطل، وتضع الاستراتيجيات الذكية. وهوميروس هنا لا يطلق أحكاماً أخلاقية على هذا التباين، وهو تحديداً ما يجعل هذه الملحمة أكثر عمقاً وإثارة للتفكير مقارنة بسبكها السائد في الثقافة العامة كمجرد قصة عن الإصرار والصمود.

اقتباس “الأوديسة”
بطبيعة الحال، ذهبتُ لمشاهدة المعالجة السينمائية لكريستوفر نولان؛ ذلك الإنتاج الضخم الذي تكلف 250 مليون دولار، وتَم تصويره عبر ست دول كاملة باستخدام كاميرات “IMAX 70mm” حصرية… إذ يبدو أن الكاميرات العادية أصبحت دون مستوى طموحات نولان بكثير!
كلمة عن التجربة نفسها، لأنها تستحق ذلك فعلاً: هذا فيلم يطالبكِ بانتباهكِ الكامل (وبأعصاب مشدودة طوال الوقت). وبما أنه عرض بتقنية “IMAX”، فمستوى الصوت جاء صاخباً تماماً كما هو متوقع. الشاشة تستحوذ على رؤيتكِ المحيطية بالكامل، بينما يجعلكِ التصميم الصوتي تشعرين وكأنكِ أنتِ من تتلاطم به أمواج البحر المفتوح. العديد من مشاهد المعارك تدور في ظلام شبه تام لا تضيئه سوى ألسنة النيران، وهو ما يمنح كل شيء أبعاداً أضخم وأعمق بطريقة ما؛ لتبدئي في التساؤل: إلى أي مدى يمكن لشريط فيلم IMAX 70mm الحقيقي أن يكون أفضل من هذا أيضاً؟
على الرغم من أن التفاصيل المفسدة للأحداث (spoilers) قد كُشفت وحُسمت منذ ثلاثة آلاف عام، إلا أن القصة تمكنت بطريقة ما من أن تمسنا وتؤثر فينا جميعاً. ولعل هذا هو أسمى إطراء يمكن تقديمه لمعالجة سينمائية يعرف أغلب الناس نهايتها مسبقاً.
يطوي الفيلم بين ثناياه أحداثاً ليست جزءاً من ملحمة هوميروس الأصلية—والتي تبدأ تقنياً بعد خدعة حصان طروادة وسقوط المدينة—إذ يبدو الفيلم أقل اهتماماً بالاقتباس الأمين والحرفي لنص محدد، بقدر ما يميل للاستقاء من المعين الواسع للميثولوجيا المحيطة به ككل.
تنساب القصة في معظمها عبر تقنية “الفلاش باك”؛ إذ تسرد حكاية الأوديسة بينما تعود بالتوازي لاسترجاع الأحداث التي سبقتها، دون أدنى مبالاة بالتسلسل الزمني المتتابع. قد يبدو الأمر معقداً ومربكاً على الورق، لكنه داخل قاعة السينما ليسكذلك على الإطلاق.

الشخصيات
أوديسيوس عند هوميروس شخصية ساحرة، مرحة، وتنطوي على قدر غير قليل من الغرور بذكائها الخاص. وعلى الرغم من العقاب الذي أوقعته عليه الآلهة بسبب كبريائه (hubris)، إلا أنه لا يبدو أبداً وكأنه يعاني لحظة واحدة من الشك الأخلاقي. النص نفسه يبدو وكأنه متيمٌ ومأخوذ بأوديسيوس؛ يحبه بالطريقة ذاتها التي تحبين بها صديقاً ألمعياً، مجهداً، ويملك دائماً—ودائماً بالمعنى الحرفي—عذراً حاهزاً لكل شيء.
أما نولان، فيقدم لنا شخصاً مختلفاً تماماً؛ إذ يجسد مات ديمون أوديسيوس كأنه رجل يؤدي كفارة عن ذنوبه، محارب قديم يمتلئ بالحزن ويحمل عنفه الخاص كعبء ثقيل، مبرزاً محاسبة ذاتية داخلية يُطارد فيها أوديسيوس بآثار أفعاله. إنها قراءة مختلفة جذرياً للشخصية، يبدو أنها أقل اهتماماً بأوديسيوس “المخادع والمحتال”، وأكثر انشغالاً بأوديسيوس “الناجي”.
وإذا كان للفيلم انشغال ومحور أساسي، فهو بكل تأكيد الشعور بالذنب؛ إذ تتحول الضخامة والمهابة في “الأوديسة” في النهاية إلى وسيلة لاستكشاف الذنب، والمسؤولية، والآثار المتبقية لأفعالنا، وما إذا كانت العظمة تترك خلفها حتماً شيئاً لا يمكن إصلاحه.
حتى وحوش الفيلم تبدو وكأنها حظيت بإعادة كتابة بروح هذا المفهوم نفسه؛ فالعملاق “سايكلوبس” يبدو أقل شبهاً بالشرير، وأقرب إلى راعٍ ضخم الحجم وسيئ الحظ للغاية، يحاول فقط حماية بيته من الغرباء المقتحمين.
لكن ما لم أكن أتوقعه من نولان—وهو المخرج الذي كانت الشخصيات النسائية في أعماله تاريخياً توجد فقط لتحريك أحداث الرجال وإعطائهم الدافع—هو مقدار الثقل والوزن الذي منحه لشخصية “بينيلوبي”، على الرغم من أن اسمها لم يُنطق صراحة حتى تذكرها أوديسيوس بنفسه.
على الورق، لم يمنح أحدٌ بينيلوبي حقها الفعلي حتى فعلت ذلك مارغريت أتوود في روايتها “أنشودة بينيلوبي” (The Penelopiad)؛ حيث سلمت أتوود دفة السرد ليس لبينيلوبي وحدها، بل وأيضاً لخادماتها الاثنتي عشرة اللاتي شنقهن أوديسيوس فور عودته. أنتِ لستِ بحاجة لقراءة هذه الرواية للاستمتاع بفيلم نولان، لكنها في الواقع تذكير جيد بأن كل ملحمة ربما تملك عملاً موازياً يطرح أسئلة مختلفة تماماً… عملٌ لا يُكلّف أحدٌ نفسه عناء اقتباسه سينمائياً.

عصرنة هوميروس
يتصرف نولان بلا شك بحرية كبيرة في تفاصيل القصة؛ بدءاً من مشهد الحصان الخشبي، مروراً بإعادة تفسير شخصيات بعينها، وصولاً إلى دمج أحداث مستقاة من موروثات وروايات مختلفة جنباً إلى جنب. ولذا، أصبحت دقة هذا الاقتباس السينمائي ومدى أمانته ومدى تطابقه مع الأصل نقطة جدل رئيسية بالفعل.
وهو ما يطرح السؤال البديهي: دقيق وأمين لأي شيء تحديداً؟
من الصعب تقييم مدى أمانة الاقتباس للمادة المصدر؛ لأنه لا وجود أساساً لمادة مصدرية نهائية أو حاسمة. فرواية هوميروس ليست الطرح الأصلي والأول لهذه القصة، بل انبثقت عن أجيال متعاقبة من التقاليد الشفهية، والتي كانت هي نفسها تفصلها مراحل كثيرة عن الصراع الحقيقي الذي ربما ألهمها في البداية. فهل يحق لنا الادعاء بوجود نسخة صحيحة واحدة ووحيدة يمكن اقتباسها؟
وإذا لم يكن الأمر كذلك، فنحن إذاً نطرح السؤال الخاطئ؛ فبدلاً من الجدال حول ما إذا كان نولان أميناً لهوميروس، فإن السؤال الأكثر إثارة للتفكير هو: ما الذي نريده حقاً من أي عمل مقتبس؟ ما الذي يجعل الاقتباس جيداً؟ هل هي درجة محاكاته ونقله الحرفي للمادة المصدر؟ أم قدرته على إعادة الابتكار والتجديد؟ أم بالأحرى، قدرته على الصمود والوقوف بفرادة كعمل مستقل بحد ذاته؟
إن المفهوم الجوهري لـ “الاقتباس والتكيف” ينطوي بطبيعته على التغيير والتعديل. ومن الصعب أن نعرف ما إذا كانت نسخة هوميروس نفسها تُعدّ أمينة للتقاليد الشفهية التي سبقتها؛ فقد كانت هذه القصص تُعاد روايتها، وتُعاد صياغتها، وتُزخرف باستمرار على مر العصور.
ربما كان “إعادة الاقتباس والتكيف” جزءاً أصيلاً من ملحمة “الأوديسة” منذ البداية. ولعل نولان ليس سوى الحلقة التالية في سلسلة من السُّرّاد، يروي نسخته الخاصة من قصة لم تكن يوماً ملكاً حظرياً لشخص واحد.
وربما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة التي مكنت قصة بقدم “الأوديسة” من البقاء والاستمرار كل هذه القرون.