أفضل ضيوف العشاء هم أولئك الذين يجعلونكم تواصلون الجلوس إلى الطاولة طويلًا بعد اختفاء الحلوى الأخيرة.
ليس لأنهم يروون أكثر القصص صخبًا، بل لأن كل حديث معهم يبدو وكأنه يفتح الباب أمام حديث آخر. تتحول حكاية عابرة إلى درس في التاريخ. وتصبح ذكرى خريطة. وتكشف ملاحظة سريعة فجأة شيئًا أكبر عن العالم من حولنا.
تمتلك سوزان زيدي وروة بدراوي هذه الصفة النادرة. فقضاء الوقت معهما يبدو أقل شبهًا بمقابلة صحفية وأكثر أشبه بالدخول إلى حوار مستمر بين صديقتين منذ عقود، حوار وجد طريقه اليوم إلى صفحات كتاب «مصر: وصفات وحكايات من أرض عريقة».
تتحدث الصديقتان والشريكتان في التأليف بإيقاع مريح لا يجيده سوى من يعرف قصص الآخر تقريبًا كما يعرف قصصه الخاصة. ذكرى تستدعي أخرى. والإسكندرية تقود إلى سيوة. ونقاش حول الطعام يتحول إلى تأمل في الهجرة، والهوية، والانتماء. وسرعان ما تدركون أن هذا تحديدًا ما يفعله كتابهما المرتقب أيضًا.
الكتاب، المقرر صدوره في الثامن من سبتمبر، يمتد على 420 صفحة ويأخذ القارئ في رحلة عبر 14 مدينة وبلدة مصرية، متتبعًا المشاهد الطبيعية بدلًا من المناطق الجغرافية: البحر، والصحراء، والنهر، والجبل، والقاهرة. للوهلة الأولى يبدو كتاب طبخ، لكن قضاء بعض الوقت معه يكشف شيئًا أكثر ثراءً بكثير: صورة لمصر تُروى من خلال الأشخاص، والتقاليد، والتواريخ التي لا تزال تشكلها حتى اليوم.
ما يخرج من بين صفحاته ليس مجرد مجموعة وصفات، بل أرشيف ثقافي كامل. رهبان، وأمهات وعائلات ممتدة، وبدو، ونوبيون، ومزارعون، وصيادون، وكبار مجتمعات محلية؛ قصص ربما كانت ستبقى محصورة داخل البيوت والعائلات. ورغم الطموح الكبير للمشروع، فإنه لا يبدو مرهقًا أبدًا، بل يدعو القارئ ببساطة إلى الجلوس والبقاء لبعض الوقت.

الشرارة الأولى
كما هو الحال مع كثير من المشاريع المهمة، بدأ هذا المشروع على مائدة غداء.
كانت زيدي، التي تنقلت مسيرتها المهنية بين المطاعم والنشر ومشهد الطعام المعاصر في مصر، تفكر منذ فترة في العودة إلى عالم الكتب. أما بدراوي فكانت قد أمضت سنوات تطور شغفها بكتابة الرحلات، والذي تجسد أولًا في كتابها عن سيوة بعد أن وقعت في حب الواحة خلال زيارة عام 2009.
لكن الحياة، كما تفعل دائمًا، تدخلت. تطورت المسيرات المهنية، وكبرت العائلات، وغادر الأبناء المنزل في نهاية المطاف. إلا أن الرغبة في صناعة شيء جديد بقيت حاضرة.
تتذكر بدراوي: «كلتانا كانت تتوق للقيام بشيء جديد في عالم الكتب».
التقت الصديقتان على الغداء قبل سنوات قليلة. كانت زيدي تفكر في كتاب عن سواحل مصر، بينما كانت بدراوي تفكر في التعمق أكثر في النوبة. وفي ما تصفه بلحظة إلهام مفاجئة، قررتا سريعًا دمج خبراتهما لإنتاج كتاب طبخ عن مصر بأكملها.
وما تلا ذلك كان رحلة استمرت سنوات، على شكل رحلة برية امتدت عبر أنحاء البلاد.

مشاهد الانتماء الطبيعية
أحد أكثر عناصر «مصر: وصفات وحكايات من أرض عريقة» تميزًا هو بنيته. فبدلًا من تنظيم الفصول حسب المناطق أو المدن أو الوجبات، اختارت زيدي وبدراوي تقسيم الكتاب وفقًا للمشهد الطبيعي.
البحر. الصحراء. النهر. الجبل. القاهرة.
يبدو القرار بسيطًا للوهلة الأولى، لكنه يفتح بابًا لفهم أعمق للطريقة التي تشكل بها الجغرافيا الثقافة.
تقول زيدي: «الناس لا يدركون مدى تنوع مصر الحقيقي. هناك هوس دائم بالقاهرة، خاصة لدى الأجانب. كأن هناك القاهرة وما عداها قليل الأهمية».
لكن كل مشهد طبيعي يروي حكايته الخاصة. فعلى ساحل البحر المتوسط تحمل التقاليد الغذائية تأثيرات يونانية وإيطالية ومشرقية. وفي الجنوب تعكس النكهات روابط مع السودان وإثيوبيا. أما في سيوة والصحراء الغربية فتظهر تواريخ مختلفة تمامًا.
وتوضح: «الناس مختلفون، والمحاصيل مختلفة، والطقس مختلف — وكل ذلك يؤثر في الطعام والثقافة».
أما بالنسبة لبدراوي، فقد أصبح هذا الهيكل التنظيمي أداة للسرد بقدر ما كان وسيلة لترتيب المحتوى.
وتقول: «كنا بحاجة إلى فصول تُظهر الحجم الهائل للتنوع الثقافي في البلاد، وكذلك تنوع تراثها الغذائي».
ومع تنقلهما بين هذه المشاهد الطبيعية المختلفة، بدأت أنماط معينة تظهر بوضوح.
«حتى عندما تسافرون على امتداد وادي النيل، تلاحظون أن الناس يبدون ويتحدثون ويتصرفون بطرق مختلفة، لكنهم جميعًا أبناء النيل». وتضيف: «لديهم قواسم مشتركة، وطعامهم يحمل قواسم مشتركة أيضًا».
والنتيجة صورة لمصر ترفض التبسيط. فبدلًا من تقديم هوية وطنية واحدة ومحددة، يكشف الكتاب بلدًا تشكله هويات محلية لا حصر لها.

الحكايات التي تحملها الوصفات
رغم أن الوصفات هي محور الكتاب، فإنها نادرًا ما تكون الغاية النهائية. ففي أغلب الأحيان، تشكل نقطة دخول إلى قصص أكبر عن الذاكرة، والهجرة، والانتماء.
تقول بدراوي: «عندما تكتبون عن الطعام، أنتم لا تقدمون وصفات جميلة فقط ليطبخها الناس في مطابخهم الحديثة، بل تروون أيضًا قصصًا، وتؤرشفون شعبًا وثقافة».
أما بالنسبة لبدراوي، فقد أصبح هذا الواقع أكثر وضوحًا مع تقدم البحث.
وتقول: «بعض الأشياء التي كانت سوزان تنتزعها من الناس بصعوبة وتحولها إلى وصفات مجرّبة ومختبرة كانت موجودة منذ آلاف السنين، لكنها كانت على وشك الاندثار بسبب غياب التوثيق».
ولا يتعامل الكتاب مع فكرة الحفظ بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل باعتبارها فعل رعاية واهتمام. اعترافًا بأن هذه التقاليد تستحق التوثيق بالجدية نفسها التي تُمنح للتواريخ الرسمية.


الحفاظ على ما هو عابر
أحاط بالمشروع شعور معين بالإلحاح، يعود جزئيًا إلى حقيقة بسيطة: كثير من التقاليد الموثقة في الكتاب لم تُسجل رسميًا من قبل.
تقول زيدي: «لا أحد يدوّن شيئًا». فلا يزال جزء كبير من التراث الغذائي المصري ينتقل شفهيًا من جيل إلى آخر عبر الملاحظة والتكرار.
أما بالنسبة لبدراوي، فقد أصبح هذا الواقع أكثر وضوحًا مع تقدم البحث.
وتقول: «بعض الأشياء التي كانت سوزان تنتزعها من الناس بصعوبة وتحولها إلى وصفات مجرّبة ومختبرة كانت موجودة منذ آلاف السنين، لكنها كانت على وشك الاندثار بسبب غياب التوثيق».
ولا يتعامل الكتاب مع فكرة الحفظ بوصفها حنينًا إلى الماضي، بل باعتبارها فعل رعاية واهتمام. اعترافًا بأن هذه التقاليد تستحق التوثيق بالجدية نفسها التي تُمنح للتواريخ الرسمية.

مصر وطبقاتها المتعددة
من بين اللقاءات الكثيرة التي شكلت الكتاب، يبقى لقاء واحد حاضرًا بقوة. ففي الإسكندرية، التقت زيدي وبدراوي بأنتيغوني زولياس، رئيسة المركز اليوناني في المدينة. وتحول حديثهما إلى تأمل في الكوزموبوليتانية، والهوية، وكيفية تغير المدن مع مرور الزمن.
وتتذكر بدراوي مشاهدة زولياس وهي تنتقل بسهولة بين الإنجليزية واليونانية والعربية بينما تستعيد ذكريات إسكندرية شبابها.
وتقول: «استمعنا إلى قصة مدينة تحولت إلى نسخة باهتة من نفسها بعد أن فقدت نسيجها الكوزموبوليتاني».
لكن بالنسبة إلى زيدي، قدمت الإسكندرية أيضًا دليلًا على استمرارية مدهشة.
وتقول: «في مكان مثل الإسكندرية، رأينا مدى قوة الارتباط بالطعام حتى اليوم».
فعلى الرغم من أجيال من التغيير، لا تزال تأثيرات المجتمعات اليونانية والإيطالية واليهودية والمشرقية تشكل مطبخ المدينة. وكما تقول زيدي: «هناك طبقات كثيرة جدًا من التاريخ».
ولهذا السبب أيضًا ترفض المؤلفتان الفكرة المتكررة بأن مصر لا تمتلك هوية غذائية خاصة بها.
وتقول زيدي: «أكثر ما يثير إحباطنا هو سماع القول مرارًا وتكرارًا إن مصر لا تمتلك مطبخًا خاصًا بها».
أما القصص التي يحتويها هذا الكتاب فتقول العكس تمامًا.

طريقة أخرى للرؤية
بالنسبة للمؤلفتين، ارتبطت الصور بالسرد ارتباطًا لا ينفصل. فقد رافق المصور الحائز على جوائز جوناثان غريغسون الرحلة عبر مصر، موثقًا المشاهد الطبيعية والأشخاص واللحظات التي تشكل كل فصل، بينما صمم الفنان متعدد التخصصات لويس بارتيليمي الغلاف والخرائط ورسومات الفصول.
وبالقدر نفسه من الأهمية، أراد الفريق الابتعاد عن الصور النمطية المكررة لمصر.
تقول بدراوي: «حاولنا تجنب الكليشيهات في الصور. ولهذا يمتلك جوناثان هذه النظرة الخاصة، لأنه لن يضع هرمًا على الصفحة لمجرد أنه في مصر».
وبدلًا من ذلك، ينصب التركيز على الناس.
وتضيف: «صوري المفضلة هي صور المصريين من مختلف الخلفيات. رؤية مزارع في الداخلة أو امرأة نوبية جميلة. أحب هذه الصور لأنها تُظهر تنوع الناس داخل كل مشهد طبيعي».
ورغم ضخامة المشروع، تستطيع زيدي تلخيص روحه ببساطة لافتة. وعندما طُلب منها وصف روح الكتاب بثلاث نكهات فقط، أجابت من دون تردد: «التَشّة، والتَسبيكة، والطحينة».
إنها إجابة مناسبة تمامًا. فكل عنصر منها يشكل جزءًا من أساس المطبخ المصري، ويظهر عبر مناطق وتقاليد مختلفة. ومثل الكتاب نفسه، هي مألوفة بما يكفي لتوحد البلاد، ومتنوعة بما يكفي لتروي قصة مختلفة في كل مرة تظهر فيها.
وبحلول الصفحة الأخيرة، يتحول ما بدأ كرحلة عبر الطعام إلى شيء أوسع بكثير: صورة لمصر بكل تعقيداتها. ليست حكاية واحدة، بل حكايات كثيرة. ليس مشهدًا طبيعيًا واحدًا، بل عدة مشاهد. وليست هوية واحدة، بل خيوط لا حصر لها منسوجة معًا عبر الأجيال والجغرافيات والمجتمعات.
قد يكون كتاب الطبخ هو نقطة البداية.By the final page, what begins as a journey through food becomes something far broader: a portrait of Egypt in all its complexity. Not a singular story, but many. Not one landscape, but several. Not one identity, but countless threads woven together across generations, geographies and communities.

Egypt: Recipes & Stories from an Ancient Land is available to pre-order from major retailers and bookstores in the UK and USA.