في مجال غالباً ما يخلط بين ارتفاع الصوت وبين التأثير الحقيقي، تظل منى خلف الله استثناءً لافتاً. تمتاز بحضور أصيل بعيد عن التكلف؛ فهي لا تدير مجرد علامة تجارية، بل تبني منظومة متكاملة تدمج الأناقة، التميز، والتمكين.
في هذه النسخة من فقرة تفضلي إلى مكتبي (Step Into My Office)، تفتح لنا الشخصية الملهمة وراء “إل مصر” (ELLE Egypt) قلبها لتتحدث عن القرارات الحاسمة في مسيرتها، أهمية الانطباعات الأولى، والإيقاع الممتع لحياة بنتها وفقاً لرؤيتها الخاصة.
التعرف على منى خلف الله: الرئيس التنفيذي التي تقود “إل مصر” (ELLE Egypt)
بينما تقود “إل مصر” (ELLE Egypt) عبر مشهد ثقافي متسارع التغير، تظل منى دافئة، متمسكة ببادئها، وإنسانية بكل وضوح. بالنسبة لها، لا تقتصر الأعمال على معادلة جافة من الجداول والإستراتيجيات، بل هي تجسيد حي لقوة التواصل الإنساني، النزاهة، والشغف المستمر.
بعد تخرجها من أسمود باريس (ESMOD Paris) بخلفية قوية في تصميم الأزياء والعالم الفاخر، بدأت منى مسيرتها بالعمل عن قرب مع دور أزياء مرموقة في مجالات الهوت كوتور والتجزئة الفاخرة. وكان هذا الانغماس في عالم الموضة هو ما منحها فهماً أساسياً لهوية العلامات التجارية، تجربة العملاء، والإستراتيجيات التجارية.
وفي النهاية، اختارت الانتقال من مرحلة ابتكار الموضة إلى صياغة صورتها؛ فحققت خطوة نحو الكواليس لتتخصص في بناء العلامات التجارية، الإعلام، والصور التجارية. واليوم، تدمج منى جذورها في عالم الموضة مع خبرتها في التواصل الإستراتيجي والنشر، لتقود مشاريع إعلامية تربط بين الفخامة، السرد القصصي، وتمكين المرأة في جميع أنحاء المنطقة.
هنا، تشاركنا الفلسفات الهادئة التي تحكم حياتها، أعمالها، وحُدودها الشخصية.
ماذا يعني لكِ ارتداء الملابس بقوة وثقة؟
نحن نعيش في ثقافة بصرية تتحرك بسرعة فائقة. تلاحظ منى، بأسلوبها في الموضة الذي يميل نحو الحقيقة الشخصية أكثر من الصيحات العابرة: “لا يستغرق الأمر سوى ثوانٍ معدودة لترك انطباع أول. وقبل أن ننطق بكلمة واحدة، يكون مظهرنا قد روى بالفعل قصة عن حقيقتنا.”
بصفتها الرئيس التنفيذي لإحدى أهم مجلات الموضة، قد يتوقع البعض حديثاً متعمقاً عن صيحات منصات العروض أو أسماء المصممين. لكن فلسفة منى أكثر عمقاً وأقل اهتماماً بالشكل السطحي؛ فبالنسبة لها، ليس الأسلوب استعراضاً للمكانة الاجتماعية، ولا يتعلق بالبطاقة السعرية المعلقة على فستان حريري، بل هو عملية تناغم بين جوهر الشخص الداخلي وعالمه الخارجي.
وتوضح قائلة: “ارتداء الملابس بقوة، بالنسبة لي، لا يعني ارتداء قطع باهظة الثمن، بل يتعلق بالتناغم التام مع ذاتكِ ومعرفة كيفية ملاءمة مظهركِ مع المناسبة. إن الطريقة التي نقدم بها أنفسنا هي بالطبع شكل من أشكال الاحترام للآخرين، لكنها قبل كل شيء، فعل احترام لأنفسنا.”
ما هو المخطط الأساسي لبناء قاعدة قوية؟
عندما تُسأل عما يتطلبه بناء عمل لا يكتفي بالاستمرار فحسب بل يترك أثراً حقيقياً، تأتي إجابة منى فورية؛ فهي لا تتحدث عن التوسع أو الربحية أو التكاليف، بل تركز على عنصر غالباً ما يغفل عنه الكثيرون: العنصر البشري.
“بالنسبة لي، كل شيء يبدأ من فريق العمل. قبل أن أتحدث عن الإستراتيجية أو النمو أو الأرقام أو الاستثمارات، ينصب تركيزي على بناء فريق استثنائي. فالشركات الأقوى والأكثر صموداً لا تُبنى على جداول البيانات، بل تُبنى على القيم المشتركة، الثقة العميقة، والمواهب المميزة.
الفكرة العظيمة بدون فريق رائع تبقى مجرد فكرة. لكن الفريق المتميز يستطيع تحويل فكرة بسيطة إلى نجاح استثنائي. لهذا السبب يعنيني هذا الأمر كثيراً.”
هذه الفلسفة التي تركز على الإنسان تمتد لتشمل دورها القيادي نفسه؛ فبالنسبة لمنى، القيادة ليست تراتبية سلطوية، بل هي شراكة. وتضيف: “أن أكون زميلة عمل جيدة، حتى وأنا في موقع القيادة، هو أحد المبادئ التي لا أقبل المساومة عليها. أقول دائماً: إذا لم تكن مستعداً لبناء جسر من التواصل مع فريقك، فلا حق لك في قيادتهم.”
ما هي المكالمة التي غيرت كل شيء؟
كان قرار منى بدخول عالم ريادة الأعمال هو التحول المحوري الأبرز في حياتها؛ خيار يتطلب نوعاً نادراً من الإصرار والقوة.
تسترجع تلك اللحظات قائلة: “علّمني هذا الانتقال درسين أساسيين: المرونة والعمل الجاد. ريادة الأعمال تجبركِ على النهوض مجدداً بعد كل عثرة، والتمسك برؤيتكِ حتى عندما تكونين الشخص الوحيد في الغرفة الذي يستطيع رؤيتها، مع إدراك أن لا شيء على وجه الأرض يمكنه أن يحل محل السعي والجهد المستمر.”
ما هو المبدأ الذي لا تقبلين المساومة عليه في عالم الأعمال؟
هذا الإصرار الاستثنائي لدى منى هو الشغف نفسه الذي يجعلها تحمي نزاهتها بحزم؛ ففي عالم أعمال غالباً ما يُتعامل فيه مع صفقات التجارة كأنها مجرد عمليات عابرة، تعمل هي وفق ميثاق شرف يكاد يكون نادراً اليوم.
تقول منى: “المبدأ الذي لا أقبل المساومة عليه إطلاقاً هو الوفاء بالوعد والتعامل بنية حسنة.
في عالم الأعمال، العقود ضرورية، لكن الثقة هي العملة الحقيقية الوحيدة. يمكنني تقبل الأخطاء، التأخير، أو الاختلافات الإبداعية؛ فهذه مجرد تحديات طبيعية للنمو. لكن ما لن أتقبله أبداً هو عدم الأمانة. النزاهة تعني تحمل المسؤولية والتحلي بالشفافية عندما تصبح الأمور صعبة. الثقة هي كل شيء، وحالما تضيع، يصبح استرجاعها أمراً ببالغ الصعوبة.”
ما هي النصيحة الوحيدة التي تقدمينها للمهنيين الشباب؟
للمهنيين الشباب الذين يحاولون شق طريقهم في عالم مليء بالأصوات والآراء، تقدم منى نصيحة تبدو أقرب إلى التمرد: آمنوا بالمسحيل ولا تعيروا انتباهاً للنقاد.
تحذر منى قائلة: “لا تدعوا أحداً يحدد ما تستطيعون أو لا تستطيعون فعله. ستلتقون دائماً بأشخاص حريصين على شرح لماذا يُعد أمر ما صعباً للغاية أو مستحيلاً. لكني أُفضل منطقاً مختلفاً: كل شيء يمكن تحقيقه إذا كنتم مستعدين لبذل الجهد المطلوب. إن كنتم تؤمنون بما تفعلونه، فاستمروا.”
هذا الأسلوب في التفكير هو نفسه ما قاد منى إلى نجاحها اليوم؛ فرؤية الفرص حيث يرى الآخرون العقبات ليست مجرد إستراتيجية مهنية بالنسبة لها، بل هي إيمان راسخ بأن الحدود الوحيدة الموجودة بالفعل هي تلك التي نرتضي حملها والقبول بها.
ما الجانب في حياتكِ اليومية الذي قد يفاجئ الناس أكثر؟
ربما يكون أكثر ما يُثير الإعجاب في شخصية منى هو رفضها القاطع للانجراف وراء أسطورة “الآلية الإنتاجية الفائقة والمنفصلة عن المشاعر”. يعتقد العالم أن حياة الرئيس التنفيذي هي مجرد حلقة مفرغة من قاعات الاجتماعات، صالات المطار، والسجاد الأحمر. لكن جوهر حياة منى الحقيقي ينبض بالدفء، العائلية، واللحظات الممتعة.
تقول بنبرة يملؤها الدفء: “أكثر ما أعتز به من أعماق قلبي هو كوني أمّاً. أعشق الطهي لعائلتي الكبيرة والجميلة المكونة من خمسة أطفال؛ أحب الرعاية بهم، إدارة تفاصيل حياتنا اليومية، وأن أكون حاضرة معهم بكل جوارحي.”
في ثقافة تخبر النساء غالباً بضرورة فصل حياتهن الشخصية لتمكين أنفسهن، ترفض منى وضع نفسها في أطر ضيقة؛ فهي لا ترى الأمومة مجرد مهمة تُدرج هامشياً في جدول أعمالها، بل جزءاً أصيلاً من هويتها. إنها النموذج الحي على أن النجاح المهني الباهر والارتباط العائلي العميق ليسا خيارين متعارضين، بل هما ركيزتان لحياة صممتها بالكامل وفقاً لشروطها الخاصة.
وتضيف دون أي تردد أو اعتذار: “أنا مستعدة دائماً لإعادة جدولة اجتماع عمل مهم لمرافقة أطفالي للتسوق من أجل مناسبة خاصة، أو لمساعدتهم في الاستذكار للامتحانات. لأنه في نهاية المطاف، مجلة ‘إل’ (ELLE) هي شغفي، لكن عائلتي هي إنجازي الأكبر والأهم.”
مكتبها ليس مجرد مساحة لإصدار القرارات، بل هو بيئة تُعامل فيها التعاطف، الحدود الشخصية، والنزاهة التامة بأعلى درجات الإستراتيجية. وبرفضها المساومة على قيمها، رؤيتها، أو عائلتها، لا تقود منى خلف الله مجلة “إل مصر” (ELLE Egypt) -المرخصة عبر “نيسا إديشنز” (Nissa Editions) -نحو فصلها الجديد فحسب، بل تُظهر لجيل كامل من النساء بوضوح تام أن قوتهن الحقيقية تكمن في الرفض المطلق للتنازل عن حقيقتهن.



