من القصات النحتية إلى الأزياء الراقية الممزوجة بالتقنيات الرقمية، بنى رامي قاضي سمعة تقوم على دفع الموضة نحو مساحات غير متوقعة. ومن خلال داره التي تحمل اسمه، أصبح المصمم اللبناني معروفًا بابتكار فساتين توازن بين الحرفية والابتكار. إلا أنه خلف الزخارف والاستعراض، يقف مصمم تحركه المشاعر والسرد القصصي.
وعقب مشاركته الأخيرة في مهرجان كان السينمائي، التقت ELLE مصر بقاضي للحديث عن الإبداع، والأصالة، وما الذي لا يزال يلهمه حتى اليوم. وبينما يُنظر إلى كان غالبًا بوصفه منصة للاستعراض، يتعامل قاضي مع السجادة الحمراء بطريقة مختلفة. فبالنسبة له، لا يتمثل الهدف في تصميم فستان جميل فحسب، بل في خلق إحساس يبقى في الذاكرة.
يقول: «بالنسبة لي، يدور مهرجان كان دائمًا حول صناعة لحظة مميزة، ولكن بطريقة تظل شخصية بالنسبة للمرأة التي ترتدي القطعة. أردت أن تنقل الإطلالات الثقة، والتفرّد، والمشاعر». وقد أصبح عمله مرادفًا للأزياء الراقية الحديثة: خياليًا بالتأكيد، لكنه لا ينفصل أبدًا عن النساء اللواتي يرتدينه.


السجادة الحمراء… بصيغة جديدة
بدلًا من الاعتماد على الدراما المباشرة، ركّز قاضي هذا الموسم على الحركة، والملمس، والحضور. صُممت الفساتين لتكشف عن نفسها تدريجيًا، وتلتقط الضوء أثناء حركتها على السجادة الحمراء.
ويشرح: «هناك شيء قوي للغاية في رؤية امرأة تسير على السجادة الحمراء وهي تبدو منسجمة تمامًا مع ما ترتديه، بدلًا من أن تختبئ خلفه».
ويضيف: «الهدف ليس مجرد إلباس شخص ما بشكل جميل، بل خلق إحساس يتذكره الناس».
وعند استرجاعه للمهرجان، لم تكن إطلالة مشهورة بعينها هي ما علق في ذاكرته. بل كان ذلك التحول الذي يحدث عندما تغادر القطعة المشغل وتبدأ حياتها الخاصة.
ويقول: «أكثر ما كان شخصيًا بالنسبة لي هذا الموسم هو رؤية الطريقة المختلفة التي فسّرت بها كل امرأة القطع. كانت هناك لحظات على السجادة الحمراء أصبحت فيها المشاعر حقيقية للغاية فجأة».
ولا تزال ذكرى معينة حاضرة في ذهنه: «رؤية إطلالة تتحرك تمامًا بالطريقة التي تخيلتها قبل أشهر خلال العملية الإبداعية. تلك هي اللحظات التي تذكرني لماذا تحمل الأزياء الراقية كل هذا البعد العاطفي».

مصمم انطلاقًا من المشاعر
يتردد صدى هذا الارتباط العاطفي الملموس في جميع أعمال قاضي. فمجموعاته تبدو غالبًا سينمائية، غنية بالملمس والزخارف والسرد. لكن المفاجأة أن العملية الإبداعية نادرًا ما تبدأ برسم تخطيطي.
ويقول: «عادة ما تبدأ بمشاعر قبل أي شيء آخر. أحيانًا يكون لونًا، أو ملمسًا، أو ذكرى، أو حتى أجواء معينة تظل عالقة في ذهني».
وبدلًا من التعامل مع المجموعة من خلال البناء التقني وحده، يترك المجال لحدسه كي يقوده. وغالبًا ما تحدد الساعات الطويلة التي يقضيها في التجريب داخل المشغل الاتجاه النهائي للقطعة.
ويكشف: «حركة القماش، أو الطريقة التي يتفاعل بها الضوء مع الملمس، أو التباين بين النعومة والبنية، كلها أمور يمكن أن تغيّر اتجاه القطعة بالكامل. بالنسبة لي، يجب أن تبدو الأزياء الراقية دائمًا حية وفطرية، لا محسوبة أكثر من اللازم».

جمال التوازن والاعتدال
نظرًا لكمية التفاصيل الموجودة في أعماله، قد يظن البعض أن معرفة متى تكتمل القطعة أمر صعب. لكن بحسب قاضي، فإن معرفة متى يجب التوقف هي التحدي الأكبر غالبًا.
ويقول: «في الأزياء الراقية، من السهل الاستمرار في إضافة التفاصيل، لكن الاعتدال لا يقل أهمية عن الزخرفة».
ويصف المصمم هذه العملية بأنها فطرية، تحكمها الموازنة أكثر مما تحكمها القواعد.
«أعرف عادة أن القطعة اكتملت عندما يبدو كل شيء متوازنًا بصريًا وعاطفيًا. يجب أن تبدو القصة، والحركة، والملمس، والطاقة وكأنها مترابطة».
بصمة خاصة به
في صناعة تحركها الخوارزميات، والصيحات السريعة، والاستهلاك المتسارع، نجح قاضي في الحفاظ على لغة بصرية يمكن تمييزها فورًا. وهو أمر يحرص على حمايته بوعي.
ويقول: «أعتقد أن أهم شيء هو أن تظل صادقًا مع لغتك الإبداعية الخاصة. الصيحات تتحرك بسرعة كبيرة اليوم، ومن السهل أن تصبح الموضة مجرد رد فعل لما يحدث حولها».
ورغم أن التطور ضروري، تبقى الهوية العاطفية هي الأساس. ويضيف: «لا أؤمن بتغيير الاتجاه فقط لمواكبة ما يحدث من حولك. أعتقد أن الناس تتواصل مع الأصالة».


لماذا لا تزال الأزياء الراقية مهمة؟
ربما تفسر هذه الفلسفة سبب استمرار تأثير الأزياء الراقية حتى في عصر تحكمه السرعة والثقافة الرقمية. بالنسبة لقاضي، تكمن جاذبيتها الدائمة في إنسانيتها.
ويقول: «أكثر ما يثير حماسي هو أن الأزياء الراقية لا تزال إنسانية. في عالم يتحرك بسرعة كبيرة ويعيش إلى حد بعيد عبر الشاشات، تقدم الأزياء الراقية شيئًا ملموسًا وعاطفيًا وحميميًا».
ويشير إلى العمل اليدوي، والدقة، والحرفية المضمنة في كل قطعة بوصفها عناصر لا يمكن استنساخها رقميًا. ويضيف: «لا يزال الناس يتفاعلون عاطفيًا مع الجمال، والحضور، والحرفية. وأعتقد أن هذا هو السبب في استمرار أهمية الأزياء الراقية».


الإلهام من التناقضات
خارج عالم الموضة، تأتي الإلهامات من أماكن متعددة. العمارة، والأفلام، والموسيقى، والسفر، والحوارات اليومية، كلها تغذي عالمه الإبداعي، خاصة عندما تقدم تناقضات غير متوقعة.
ويقول: «في الآونة الأخيرة، كنت مستلهمًا جدًا من التناقضات. من التوتر بين الطبيعة والتكنولوجيا، والنعومة والبنية، والتقاليد والحداثة».
ما التالي؟
أما عن المرحلة المقبلة، فيظل المصمم مركزًا على التطور لا إعادة الابتكار من الصفر. فهناك مجموعات جديدة من الأزياء الراقية قيد التطوير بالفعل، إلى جانب تعاونات إبداعية واستكشافات لمجالات فنية وتقنية جديدة.
ويختتم قائلًا: «أكثر ما يثير حماسي هو فكرة التطور المستمر مع الحفاظ على الجوهر العاطفي للدار». ويعد بأن الفصل المقبل سيكون «جريئًا، وغامرًا، وغير متوقع»، مع بقائه رامي قاضي بكل وضوح.
