Search
Close this search box.

ما فهمه راف سيمونز عن “ديور” ولم يدركه أحد غيره

أمضى راف سيمونز على رأس دار "ديور" ثلاثة أعوام ونصف. لم يتوقف خلالها لحظة عن كونه "الرجل الخاطئ" في المكان الصح، وتلك تحديداً كانت العلة والسر وراء كون حقبته ثورية إلى هذا الحد!

dior header
Instagram, image courtesy @diorbyraf

لكل دار موضة حقبة تُفهم على نحو خاطئ أو يُساء تذكرها في كثير من الأحيان. وفي دار “ديور”، كانت تلك الحقبة هي حقبة راف سيمونز من عام 2012 إلى 2015؛ الحقبة التي اعتاد الجميع وصفها بـ “التبسيطية” (minimalist) وكأن تلك الكلمة تشرح أي شيء حقاً! بينما ما حدث في الواقع هو أن رجلاً أخذ واحدة من أكثر الدور إفراطاً وزخرفة (maximalist) في تاريخ الموضة وجعلها تناقض نفسها على مدار ثلاث سنوات. وبفعله هذا، ألحق بمساحة الراحة التقليدية للدار ضرراً وتفكيكاً لم يجرؤ عليه أحد منذ الرجل الذي يحمل الباب اسمه.

دارٌ على وشك الاشتعال

dior raf simons
Instagram, image courtesy @diorbyraf

السياق هنا باختصار، لأنه ينطوي على أهمية بالغة: في عام 2011، تم استبعاد جون غاليانو وإقالته بعدما جرى تصويره ثائراً ومخاطباً في مقهى باريسي ومصرّحاً بعاطفته لهتلر. كانت “ديور” بحاجة ماسة وسريعة إلى خلف، وافترض قطاع الموضة بأكمله أن الدار ستتجه نحو المزيد من الاستعراض والبهرجة؛ خيار مفرط آخر، وشخص يتقن لغة الدار المعتادة القائمة على التول والمسرحية المشهدية.

لكنهم عينوا بدلاً من ذلك راف سيمونز، الذي كان قد أمضى للتو سبع سنوات في دار “جيل ساندر”. لم يكن الرجل من هواة الدراما الاستعراضية، ولم يكن يستسيغ مفهوم الأنثوية بطابعه الضيق القائم على المشدات والأنماط الزهرية التي جعلت منها “ديور” علامة مسجلة باسمها منذ عام 1947. في ذلك الوقت، لم يستطع أحد تفسير كيف يمكن لهذه المعادلة أن تنجح؛ إذ كان وضع مصمم تبسيطي على رأس دار بحجم وحضور “ديور” أشبه بتحدٍّ مجنون.

ثمانية أسابيع… وانهيار عصبي واحد

dior by raf simons
Instagram, image courtesy @diorbyraf

لم يكن أمام سيمونز سوى ثمانية أسابيع فقط لإنجاز أول مجموعة هوت كوتور (couture) له؛ وتلك هي التجربة الصادمة التي خُلّد تفاصيلها في الفيلم الوثائقي Dior and I. أعاد عرض الأول تقديم الدار بنبرة ولغة تصميمية جديدة كلياً: قصات بليزر حادة وشديدة الإتقان، وخامات ذات ملامس غير متوقعة، وألوان مشبعة بغزارة، مع إعادة صياغة قصة “النيو لوك” (New Look) التاريخية في صورة كنزات قصيرة (crop tops) تتهادى بخفة فوق بنطال قدّي نحيف.

dior raf simons
Instagram, image courtesy @thefashionableexhibit

من الناحية النظرية، كانت المجموعة تنتمي لـ “ديور” بامتياز، لكنها لم تكن تحمل النبرة المألوفة للدار؛ فبينما كان كريستيان ديور يعشق الزهرة كعنصرٍ زينيّ وزخرفيّ، كان سيمونز يعشق الزهرة كبنيةٍ وهيكلٍ هندسيّ.

إعادة ترجمة “ديور”

dior raf
Instagram, image courtesy @untitledinspiration

كانت مفردات “ديور” بأكملها منذ عام 1947 تتلخص في كلمة واحدة: المزيد؛ أوراك مبالغ في إبرازها، وتنانير تتطلب جيشاً صغيراً من المهندسين المعماريين لتجميعها، وكميات من الأقمشة تكفي لإلباس جمهور العرض بأكمله! في المقابل، كان سيمونز يتقن بلغة أمّ مختلفة تماماً: لغة ضبط النفس. لم يكن “الحد الأدنى” أو التبسيط بالنسبة له مجرد خيار أسلوبي، بل كان اللسان الوحيد الذي يتحدث به.

احتفظ سيمونز بآلاف الساعات من التطريز اليدوي المتقن، لكنه استغنى تماماً عن شعور عدم الراحة. أدخل الأزياء الراقية (couture) إلى عالم الأحذية الرياضية، ومدّ جزمات الفينيل لتتجاوز الركبة، وأخفى جيوباً عميقة داخل فساتين السهرة الحريرية… استفزازات صغيرة ومحددة، ورفض قاطع لأن تتطلب ملابس المرأة وجود مساعد كي تتمكن من الحركة والعيش بها.

raf simons at dior
Instagram, image courtesy @raf_runways

كانت معادلة غير متوقعة لمجموعات هوت كوتور تُباع بأرقام من ستة خانات، لكنها أحدثت تحولاً جذرياً في بيزنس الدار؛ حيث قفزت المبيعات بنسبة 60% خلال فترة إدارته. وعندما اختارت “ديور” النجمة ريانا لتكون أول سفيرة سمراء البشرة في تاريخها، كانت تلك إشارة صريحة إلى أن الدار باتت تبحث عن وزن وثقل ثقافي مختلف تماماً عن ذاك الذي ورثته من حقبة غاليانو؛ فلم تعد تنظر إلى الوراء نحو بورتريهات القرن التاسع عشر، بل اتجهت بنظرها إلى الأمام، نحو الثقافة المعاصرة.

الزهور

dior raf simons
Instagram, image courtesy @dior

لو كان ممكناً اختزال تلك الحقبة بأكملها في صورة واحدة، لكانت الزهور… ولـ مرّتين تحديداً!

في عرضه الأول، ملأ سيمونز جدران قصرٍ خاص من الأرض حتى السقف بمليون زهرة، بكثافةٍ جعلت معالم الجدران تتلاشى تماماً. أما في عرضه الأخير، بعد ثلاثة أعوام ونصف، فقد أقام تلةً كاملةً تتشكل من زهاء نصف مليون زهرة دلفينيم (Delphiniums) زرقاء في قلب باحة متحف اللوفر.

raf simons
Instagram, image courtesy @diorbyraf

أن تأخذ أكثر كليشيهات الدار قِدماً وتكراراً — الشيء الذي طالما اختزله النقاد في مجرد جمال شكليّ لا أكثر — ثم تعيد تقديمه بمقياس ضخم وهائل حتى يتحول إلى بنية هيكلية معمارية… تلك هي منهجية سيمونز بأكملها، متكثفة في المشهدين اللذين افتتح بهما واختتم مسيرته في الدار.

رحيله

DIOR BY RAF
Instagram, image courtesy @diorbyraf

في أكتوبر 2015، أعلن سيمونز تنحيه عن منصبه. لم تكن هناك أي تسريبات عن خلافات حادة، ولا فضائح خفية، وهو ما أربك الصحافة التي اعتادت قراءة مغادرة المصممين وكأنها دراما مسرحية. صرّح سيمونز ببساطة بأن القرار يعود إلى رغبته في التركيز على علامته التجارية الخاصة وعلى تفاصيل حياته خارج نطاق العمل، بينما أفادت التقارير بأن إدارة “ديور” قضت الصيف بأكمله تحاول إقناعه بالتراجع عن قراره.

raf simons
Instagram, image courtesy @raf_runways

غادر سيمونز وهو في الأوج؛ الأرباح في ذروة ارتفاعها، والنقاد يتغنون بإبداعه. لم يدفعه أحد للرحيل، بل اختار هو أن يترجل بملء إرادته — وهو أمرٌ أكثر ندرة في كواليس هذه الصناعة مما ينبغي — ليبدو هذا القرار، بقراءة متأنية اليوم، وكأنه القرار الأكثر تعبيراً عن هويته وشخصيته (Most Raf Simons decision) من بين كل خيار أتيح أمامه.

ما الذي تبقى من “ديور”؟

raf simons
Instagram, image courtesy @dior

وصلت ماريا غراتسيا كيوري في عام 2016 كأول امرأة تتولى إدارة الإبداع في “ديور”، لتوجه مسار الدار نحو الشعارات النسوية والحرفية التراثية كسردٍ روائي؛ وهو مشروعٌ يختلف جذرياً عن مشروع سيمونز لدرجةٍ تجعل المقارنة بينهما جائرة تقريباً.

ومع ذلك، تظل هذه المقارنة تحدث باستمرار ودون انقطاع؛ فهذا هو الثمن الذي تفرضه دارٌ تملك كل هذا التاريخ العريق على كل من يتولى قيادتها. حيث يُقاس كل خلفٍ ويُوزَن بميزان كل الأرواح والأطياف الإبداعية التي وقفت يوماً في الغرفة ذاتها بشارع “أفينيو مونتين” (Avenue Montaigne).

dior raf
Instagram, image courtesy @diorbyraf

لكن ما لم يتزحزح قيد أنملة هو حكم سوق إعادة البيع (resale market). فالقطع الأولى من حقبة سيمونز في “ديور” — وخاصة أزياء الهوت كوتور — باتت اليوم تحقق أسعاراً خيالية تنافس قطع أرشيف غاليانو التاريخية.

ثلاثة أعوام ونصف لم تكن كافية لبناء ما يمكن أن نسميه “إرثاً ممتداً”، لكنها كانت كافية تماماً لترك علامة استفهام كبرى… وصناعة الموضة، بخلاف معظم الصناعات الأخرى، تظل تتذكر علامات استفهامها لفترة أطول بكثير مما تتذكر إجاباتها.

مشاركة المقالة

مقالات ذات صلة

اشترك في النشرة الإخبارية المجانية للحصول على دليلك لاتجاهات الموضة ونقاط الحوار الثقافية وأخبار المشاهير والنصائح الحصرية.