ثمة لحظة دقيقة يتوج فيها عمر كامل من العذاب الأكاديمي في حدث واحد؛ العتبة الفاصلة التي تعبرين منها إلى ما وعدوكِ مراراً بأنه “بقية حياتكِ”. تقضين شهوراً في الاستعداد النفسي ليوم التخرج، غارقة في قناعة تامة بأن أمسية واحدة كفيلة بتغيير كل شيء جذرياً. تقفين في الطابور، يُنادى اسمكِ، وتؤدين الطقس الاحتفالي الأسمى حين تحركين شرابة قبعة التخرج من الجانب الأيمن إلى الأيسر. تتعالى هتافات الحشود، يلقي الجميع قبعاتهم في الهواء، ولنحو خمس ثوانٍ فقط، تشعرين بأنكِ قد غزوتِ العالم وحكمتِ قبlengths.
ثم تستيقظين في تمام الساعة الواحدة من ظهر يوم الأحد التالي، وللمرة الأولى منذ نحو ستة عشر عاماً، لا يهتم أي شخص على وجه الأرض بمكان وجودكِ. لا يوجد منهج دراسي لتتبعيه، ولا موعد تسليم نهائي لتصابي بالذعر بسببه، ولا مؤشر للمعدل التراكمي (GPA) يخبركِ بدقة كم أنتِ بارعة في إدارة حياتكِ. إن الهيكل التنظيمي الذي أملى عليكِ هويتكِ بالكامل قد اختفى فجأة بين ليلة وضحاها، تاركاً إياكِ واقفة في مهب استقلالية مرعبة أمام احتمالات لا نهاية لها. لقد طُردتِ بغتة من النظام البيئي الوحيد الذي عرفتِه طوال حياتكِ.
اكتئاب ما بعد التخرج (POST-GRADUATION BLUES)

الأمر القاسي بشأن اكتئاب ما بعد التخرج هو أنه يصل متنكراً في زيّ “الحرية”.
لسنوات طويلة، كانت كل مرحلة من مراحل حياتكِ تأتي مصحوبة بسردية جاهزة ومدمجة؛ فالمدرسة الابتدائية تقود إلى الإعدادية، والإعدادية تسلمكِ إلى الثانوية، والثانوية تتوج بقبولكِ في الجامعة. حتى أكثر الفترات ضغطاً وإرهاقاً كانت تملك اتجاهاً واضحاً على الأقل؛ كان هناك دائماً خطوة تالية، فصل دراسي قادم، اختبار مرتقب، أو أي شيء آخر يطلب انتباهكِ ويستحوذ عليه.
أما التخرج من الجامعة، فهو المحطة الأولى والوحيدة التي لا تسلمكِ تلقائياً إلى محطة أخرى بعدها.
بدلاً من ذلك، يمنحكِ الكون ورقة جامعية باهظة الثمن، ومعها إدراك مربك ومقلق بأن كل قرار مصيري أصبح الآن يقع بالكامل على عاتقكِ ومسؤوليتكِ الفردية. يختفي الجدول الزمني، وتتلاشى الدرجات، ولا أحد يوزع شهادات تقدير أو تقارير أداء بعد الآن.
فجأة، يُتوقع منكِ أن تبني حياة كاملة من الصفر، مسلّحة بشهادة كرتونية، وسيرة ذاتية (CV) صُممت وهُندست بعناية فائقة لمجرد النجاة من أنظمة تتبع المتقدمين الآلية (ATS)، وشعور غامض ومستمر بأن الجميع قد استلموا كتيب الإرشادات والتعليمات الذي فاتكِ أنتِ تحديداً استلامه.
وهكذا، تتحول أيامكِ إلى مزيج غريب من التفاؤل والذعر؛ تقضين الصباح في تعديل سيرتكِ الذاتية وتفصيلها لتناسب وظائف يُطلق عليها “للمبتدئين” (Entry-level) ولكنها تتطلب لسببٍ ما خبرة لا تقل عن خمس سنوات، وتقضين المساء في الشرح والتبرير لأقاربكِ القلقين بأن سوق العمل الحالي لم يعد أبداً كما كان عليه في أيامهم.
فقدان الهوية المؤسسية (THE LOSS OF INSTITUTIONAL IDENTITY)

لسنوات طويلة، لم يكن كونكِ “طالبة” مجرد شيء تفعلينه، بل كان هويتكِ وجوهر ما أنتِ عليه. كانت تلك الكلمة بمثابة الإجابة الشافية لكل سؤال؛ ماذا تفعلين في حياتكِ؟ أنا طالبة. إلى أين تتجهين؟ أنا أدرس. ما الذي يشغلكِ هذه الأيام؟ امتحانات منتصف العام، الاختبارات النهائية، التكليفات، والتدريب الصيفي.
ثم يأتي التخرج، ليسحب منكِ تلك الهوية في هدوء تام.
إنه أمر غريب أن تحزني على هذه المرحلة، لأن لا أحد يتحدث عنها باعتبارها “خسارة”؛ ففي نهاية المطاف، من المفترض أن يكون التخرج أمراً مبهجاً وإنجازاً سعيداً. ومع ذلك، يجد الكثير من الخريجين أنفسهم شاعرين بحالة غريبة من التخبط وعدم الانتماء في الأشهر التي تلي ذلك اليوم. إن نسخة نفسكِ التي قضيتِ سنوات في بنائها وتنقيحها تنتهي صلاحيتها فجأة، وقبل أن يتسنى لكِ الوقت لإنعاش ذاتكِ واستيعاب الأمر، يُتوقع منكِ أن تستبدليها فوراً بهوية بالغة مكتملة النضج والأركان.
لا أحد يحذركِ أبداً من أن أحد أصعب أجزاء التخرج هو اكتشاف من تكونين حقاً عندما لا تعودين طالبة.
أسطورة “الخطوة التالية” (THE MYTH OF THE NEXT STEP)

طوال حياتكِ تقريباً، كان المسار الأمامي محدداً ومحسوماً سلفاً؛ وحتى في الأوقات التي كانت تعج بالضغوط والإرهاق، كان هناك نوع من الطمأنينة في معرفة ما سيأتي لاحقاً.
لكن التخرج يكسر هذا النمط المعتاد تماماً. فللمرة الأولى في حياتكِ، لا توجد “خطوة تالية” متفق عليها عالمياً أو يسير خلفها الجميع؛ إذ يحصل بعض الأشخاص على وظائف فوراً، بينما يختار آخرون متابعة الدراسات العليا. البعض يسافر إلى الخارج، والبعض الآخر يبدأ مشروعه الخاص، وهناك فئة لا تملك أدنى فكرة عما تفعله وتأمل ببساطة ألا يلاحظ أحد ذلك!
والجزء المربك والمثير للقلق في كل هذا، هو أن جميع هذه المسارات المتباينة تُعتبر “طبيعية” ومقبولة.
عندما لا يعود هناك تعريف واحد وموحد للتقدم والنجاح، يصبح من الصعب بشكل مفاجئ قياس ما إذا كنتِ تحققين إنجازاً أم أنكِ تتخلفين عن الركب. تختفي خط النهاية تماماً، وتُتركين وحدكِ تحاولين الإبحار وتلمس طريقكِ بدون خريطة الطريق التي اعتمدتِ عليها طوال حياتكِ.
عندما تصبح الحرية عبئاً غامراً (WHEN FREEDOM BECOMES OVERWHELMING)

إليكِ الترجمة المقترحة للجزء الأخير من المقال، بصياغة تجمع بين العمق النفسي والبعد الأدبي الساحر لتختتم هذا المقال الاجتماعي القوي بأسلوب إيل مصر:
نقضي سنوات طويلة ونحن نتخيل الحرية؛ لا محاضرات، لا امتحانات، لا مواعيد تسليم نهائية، ولا أحد يملي علينا أين نكون أو ماذا نفعل.
ثم تصل هذه الحرية أخيراً، لتكتشفي أنها مرعبة!
ذلك لأن الحرية تبدو مثيرة ومبهجة فقط حتى تصبح كل القرارات مسؤوليتكِ وحدكِ. أي مجال مهني يجب أن تسلكي؟ هل تتابعين دراساتكِ العليا؟ هل تنتقلين للعيش في مدينة أخرى؟ هل تقبلين بأول عرض عمل يتاح لكِ أم تنتظرين فرصة أفضل؟
فجأة، تجدين نفسكِ أمام مئات السيناريوهات المستقبلية المحتملة، ولا يوجد طريق واضح يهديكِ لكيفية الاختيار من بينها؛ بل إن كل قرار يبدو وكأنه مصيري ولا يمكن الرجوع فيه.
لطالما لاحظ علماء النفس أن الإفراط في الخيارات المتاحة يخلق قلقاً وتشتتاً بدلاً من الرضا والارتياح؛ ولعل مرحلة التخرج هي المرة الأولى التي يختبر فيها العديد من الأشخاص هذه الظاهرة ملموسة على نطاق حياتهم الواقعية. فالمشكلة هنا لا تكمن في قلة الفرص، بل في ذلك الإدراك الغامر والمخيف بأن مستقبلكِ لم يعد يُصنع ويُقرر نيابة عنكِ.
يبدو كل مسار أمامكِ قادراً على تغيير مجرى حياتكِ بالكامل، مما يجعل اختيار أي مسار منها يبدو بشكل غريب وكأنه يتضمن تضحية وخسارة للمسارات الأخرى.
وللمرة الأولى، تصبح الاحتمالات بلا نهاية؛ وتجدين نفسكِ – تماماً كما تخيلت الأديبة “سيلفيا بلاث” ذات يوم – جالسة تحت شجرة تين، يصيبكِ الشلل والعجز ليس بسبب افتقاركِ للمستقبل، بل بسبب وفرته الغامرة التي لا تُحتمل.