بدأ الأمر—حسب من تسأل—مع فرانك سيناترا. ففي عام 1942، كانت مراهقات الـ “Bobby-soxers” يُغشى عليهن في مسرح “باراماونت”، ويُحملن على المحفات، بينما يقف هو أمام الميكروفون، يبدو وكأنه في حالة ذهول مما فجره من مشاعر. ثم جاء إلفيس برسلي، ليضع القالب الحديث لـ “الأيدول”. بالنسبة لفتيات ما بعد الحرب اللواتي نشأن على كتب الترانيم، كان صوت إلفيس ونظرة التحدي في عينيه بمثابة تمرد حقيقي. ولأول مرة، اتخذت هذه الظاهرة شكلاً واضحاً بما يكفي لإثارة ذعر المجتمع.

“بيتل مينيا” والتاريخ الحديث للـ Fangirl
فسّرت الصحافة آنذاك هذا الولاء كـ “عَرَض مرضي” أو حدث طبي. زعموا أن الجهاز العصبي للأنثى حساس بشكل فريد للإيقاع والاستعراض. قاموا بـ “تنميط” هذا الاهتمام وتأطيره في سياق مرضي، بطريقة تضمن للمجتمع التربح من هذه الظاهرة والتعالي عليها في آن واحد.

عندما هبطت فرقة “البيتلز” في عام 1964، كانت الماكينة تعمل بالفعل؛ والفتيات هن من قمن ببنائها. هن من ملأن الاستادات، واشترين الأسطوانات، وأسسن نوادي المعجبين. لقد صنعن أهم “صادر ثقافي” أنتجته بريطانيا على الإطلاق. أطلقت الصحافة على ذلك مصطلح “بيتل مينيا” (Beatlemania)؛ وهو مصطلح يبدو “إكلينيكياً”، محصوراً في أجساد الفتيات، بدلاً من الاعتراف بما تفعله الموسيقى حقاً. أعاد الكلمة تصنيف مؤشر ضخم للقيمة الثقافية وكأنه مجرد “مرض”.
الإعجاب
إليكِ ما يحدث فعلياً عندما تصبح الفتاة “معجبة مهووسة” (Fangirl)، بعيداً عن العواطف: إنها في سنوات تكوينها، في منتصف رحلة بناء هويتها، ونجم البوب هنا يمثل “مساحة آمنة” لتسقط عليها هذه الهوية. فهو لن يرفضها شخصياً، هو بعيد بما يكفي ليكون مثالياً، وقريب بما يكفي—عبر الموسيقى والإعلام—ليبدأ ملموساً.

يطلق علماء النفس على هذا “الارتباط أحادي الجانب” (Parasocial Attachment). عملياً، ينتج هذا الارتباط ولاءً متيناً لدرجة أنه يعمل كبنية تحتية كاملة. الفنان هنا يكاد يكون ثانوياً؛ فهو “الراية” التي تجتمع تحتها الفتيات، وما يبقيهن هناك هو علاقتهن ببعضهن البعض. لهذا السبب الصراخ معدٍ، ولهذا السبب هو جماعي. ولهذا السبب أيضاً، أمضت صناعة الموسيقى—التي أدركت هذا منذ الخمسينيات—سبعة عقود في بناء نظام لاستخراج الأرباح من هذا الولاء.
داخل منظومة “Thriller”
استمر هذا النمط عبر كل العقود. مايكل جاكسون حوّل الفنان إلى “نظام بيئي” متكامل، يدمج الموسيقى، الرقص، الأسلوب، والعلامة التجارية في شيء لم يسبق له مثيل. ما أحدثه في الفتيات لم يكن تماماً ما فعله إلفيس أو البيتلز؛ كان من الصعب تسميته. لم يكن مجرد “إعجاب عابر” (Crush)؛ فقد كان مايكل شخصية غريبة، فريدة، ومبنية بوضوح كشخصية أسطورية لا تدعو للرغبة العادية.

هذا هو السبب في أن ألبوم “Thriller” لا يزال الألبوم الأكثر مبيعاً في التاريخ، بمبيعات تقدر بنحو 70 مليون نسخة حول العالم. الفتيات اللواتي صرخن في مسرح “أبولو” عندما كان في الحادية عشرة من عمره، هن جزء من نفس الخط المتصل مع النساء اللواتي شاهدن لقطات جولة “Dangerous” على يوتيوب بعد ثلاثين عاماً وأيديهن على أفواههن من الذهول. هذا التفاني الخالص لم يختفِ مع العمر، بل تغلغل ونما.
هستيريا؟
قوبلت السنوات الأولى لـ جاستن بيبر بنظرة تعالي وسخرية ثقافية، امتدت لتشمل الفتيات اللواتي أحببنه. ومع ذلك، منذ أسبوع واحد فقط، تصدر “بيبر” مشهد مهرجان “كوتشيلا”، مؤدياً أمام حشد يحفظ كل كلمة من أغانيه التي قيل لهن يوماً إنها “محرجة”.

وهنا يطرح السؤال نفسه: ما الذي يحدث بالضبط؟ ما الذي يجعل رجلاً في الثانية والثلاثين من عمره، مع عقد من الزمان من تخبطات الصحافة الصفراء خلفه، لا يزال قادراً على إنتاج ذلك الشعور المحدد لدى امرأة كانت في الثالثة عشرة عندما شاهدت فيديو كليب “Baby” لأول مرة على يوتيوب؟ هل هي الموسيقى؟ أم ذكرى “من كانت” هي عندما وجدتها تلك الموسيقى؟ أم أنه شيء صنعته الصناعة بإتقان شديد حتى أصبح لا يمكن تمييزه عن الحقيقة؟

من يستطيع الجزم؟ ربما هي الموسيقى، ربما هي الذكرى، أو ربما هو مجرد الشعور بالراحة لوجود “نقطة ثابتة” في الزمن. لقد أمضت الصناعة سبعين عاماً وهي تصنف ذلك الولاء كـ “حالة مرضية”، بينما تعتمد عليه كلياً لتبقي المصابيح مضاءة.