Search
Close this search box.

اسرق كـ “مصمم”، وتلقَّ اللوم كـ “دار أزياء”

سؤال الموضة الأكبر الذي بلا إجابة: أين ينتهي الاحتفاء وتبدأ السرقة؟

huipil

في صناعة الأزياء، يُعامل التاريخ وكأنه مِلكية عامة مستباحة، وأسرع طريقة لمحو ثقافة ما هي ببساطة: تغيير ثمنها. إن آلة الموضة الغربية لا تعترف أبداً بالاستلاب والانتزاع؛ كل ما تفعله هو تحوير مفرداتها ولغتها.

ثمة عنف خاص يكمن في “إعادة التسمية”، عنف يتجاوز بكثير فعل الاستيلاء المادي الملموس. فالاستيلاء قديم؛ إذ لطالما امتصت كل ثقافة الثقافات الأخرى وتأثرت بها، وهذه حقيقة تاريخية عادية توظفها صناعة الأزياء بشراسة كلما أرادت التملص من مسؤوليها الهيكلية المحددة. لكن “إعادة التسمية” هي اللحظة الدقيقة التي يتم فيها محو الأصل، وتحويل الإرث الجماعي للشعوب إلى ملكية فكرية للشركات.

الـ “دوباتا” (THE DUPATTA)

indian women

وشاح الـ “دوباتا” موجود منذ أكثر من ألف عام؛ سُدِل على أكتاف إمبراطورات المغول، ونُسِج من الحرير والجورجيت والقطن، وحملت ثناياه ثِقل الحشمة والطقوس والحياة اليومية عبر شبه القارة الهندية. وفي عام 2025، ارتدته إحدى مؤثرات تيك توك، لتقرر خانة التعليقات إجماعاً بأن الإطلالة تمنح “طاقة وشاح الصيف الإسكندنافي”، دون أن تُذكر كلمة “دوباتا” ولو لمرة واحدة.

two women wearing cape dresses

هذا ليس مجرد جهل عابر؛ أو ربما هو كذلك، لكنه ينطوي على شيء أكثر خبثاً. إنه تلك الفصاحة والميوعة اللتين طورتهما الموضة الحديثة لمحاكاة التراث مع وضع مسافة جمالية كافية تجعل المصدر الأصلي غير مرئي.

الـ “باشمينا” (THE PASHMINA)

weavers at a loom fashion pashmina
Pexels, image courtesy Amjad Ali

تأملي نساجي الـ “باشمينا” الكشميريين الذين يعملون على أنوالهم منذ أكثر من أربعة قرون. تقنيتهم هي حرفة متوارثة، شاقة، ولا يمكن استبدالها؛ إنها تكنولوجيا يدوية خاصة بهم. الشال الواحد قد يستغرق شهوراً من العمل، حيث تُغزل أليافه من البطانة الصوفية الناعمة لماعز جبال الهيمالايا التي تعيش على ارتفاعات تتجاوز 14,000 قدم.

الـ “بايزلي” (THE PAISLEY)

fashion borrowing ethically etro paisley scarf
Image courtesy Etro

زخرفة قطرة الماء المركزية في هذا الشال تُسمى “بادام” (اللوزة) في كشمير. لكن الغرب يسميها “بايزلي”، نسبة إلى بلدة نسيج في إسكتلندا قامت بإنتاج تقليدي واسع النطاق عبر الآلات في القرن التاسع عشر لسوق أوروبية أرادت جمالية “غريبة” دون دفع ثمن الأصل الفاخر. لاحقاً، بدأ تجار التجزئة الغربيون في وضع ملصق “باشمينا” على أوشحة اصطناعية رخيصة. وهكذا تحولت الكلمة، التي كانت تدل يوماً على حرفة نخبوية استثنائية، إلى وصف مبتذل لملحق زينة بـ 10 دولارات في متجر هدايا بالمطار. الغرب لم يستعر الشال فحسب؛ بل استعار الاسم، وأفرغ الملكية الفكرية من قيمتها، ثم أعادها لأصحابها خاوية.

الـ “تابي” (THE TABI)

margiela split toed boots for fashion
Instagram, image courtesy @oldmartinmargiela

في عام 1989، أرسل “مارتن مارجيلا” عارضاته في عرض أزيائه الأول بأحذية ذات أصابع مشقوقة صممها بعد رحلة إلى اليابان. حذاء الـ “تابي” بدأ كجوارب ثم تطور إلى حذاء في يابان القرن الخامس عشر، وارتداه الساموراي، النبلاء، عمال البناء، ومساعدو طقوس الشاي. شفرت ألوانه الطبقات الاجتماعية، وصُمم شكله ليعزز التوازن بناءً على مبدأ هيكلي متجذر في علم المنعكسات (reflexology)، وكان زياً إلزامياً في مسرح الـ “نو” والـ “كابوكي” الياباني. باختصار، كان رداءً مشحوناً بالمعاني الاجتماعية والتاريخية.

margiela tabi fashion
Image courtesy Maison Margiela

اليوم، ومن خلال عملية محو تاريخي، يُصنف الـ “تابي” كبصمة أساسية لمارجيلا؛ يُعاد بيعه في مزادات الفخامة كقطع أرشيفية نادرة، ويُستشهد به في النقد الفني كدليل قاطع على عبقريته التفكيكية. أخذته علامة “فيتيمو” (Vetements)، وأشارت إليه “بالنسياغا”، ليتحول الخط الإبداعي بأكمله في مخيلة الموضة الغربية ليس إلى اليابان التاريخية، بل إلى العرض الأول لمصمم بلجيكي.

الـ “تشيباو” (THE QIPAO)

qipao old photo
Image courtesy Cornell University Library

نرى نفس الرغبة الاختزالية تُطبق على فستان الـ “تشيباو“، الذي ظهر في شانغهاي في عشرينيات القرن الماضي كرمز عميق للحداثة وتحرر المرأة، كاسراً قيود الزي الإمبراطوري متعدد الطبقات لسلالة “تشينغ”. كان زياً سياسياً وتقدمياً. ومع ذلك، قام سوق التجزئة الغربي بنهج منهجي باختزال هذا الرداء الذي يرمز للاستقلالية الحديثة إلى “كاريكاتير” مفرط في الإثارة الجنسية.

qipao closeup
Image courtesy Cornell University Library

تقوم العلامات التجارية، من “ريل فورميشن” إلى عمالقة الموضة السريعة، بانتظام بإصدار قطع تحمل ملصقات مثل “فستان قصير بياقة ماندالين” أو “توب شبكي شرقي”، معتبرين الياقة العالية التقليدية، وعقد الـ “بانكو” غير المتماثلة، وحرير الجاكار المهيكل، مجرد تفاصيل عصرية لملابس المهرجانات. عندما تستعرضه دور الأزياء، فإنه نادراً ما يكون تحية للحداثة الصينية؛ بل هو نمط سطحي، وجمالية منفصلة عن تاريخ النساء اللواتي حاربن ليرتدينه.

عادات الموضة الاستعمارية

the Woman’s Blouse or Huipil
Image courtesy Brooklyn Museum

إن اتساق هذا الاستلاب هو الدليل الفاضح؛ فالموضة تستعير من كل مكان، لكنها لا تستعير من الجميع بالتساوي، حيث تتقاطع الفروقات بدقة مع خريطة القوى العالمية.

isabel marant designs
Instagram, image courtesy @isabelmarant

نفذت “إيزابيل ماران” المناورة نفسها ولكن بمخاطر قانونية أكثر وضوحاً؛ إذ نقلت قميص الـ “هويبيل” التقليدي الخاص بمجتمع “الميكسي” (Mixe) في المكسيك – وهو رداء يحمل دلالات مجتمعية ومقدسة وطقوسية محددة – ووضعته مباشرة في خط أزيائها (Étoile)، وصنعته في الهند بدلاً من المكسيك، وباعته بـ 365 دولاراً. لم يكن لدى المجتمع أي آلية قانونية دولية لحماية ملكيته الفكرية أو إيقاف هذا الانتهاك، لتتحول القطعة إلى أسلوب “بوهو شيك” (boho chic)، بينما ظلت نساء “الميكسي” اللواتي ارتدينه طوال حياتهن مجرد صور مجهولة الهوية على لوحات استلهام المصممة.

من يجلس على طاولة الموضة؟

Yohji Yamamoto S/S 1997. Image courtesy FirstView.

كانت اليابان تمتلك الثقل الاقتصادي والجيوسياسي لإرسال روادها الطليعيين مثل “إيسيي مياكي”، “يوجي ياماموتو”، و”ري كاواكوبو” إلى عاصمة الهوت كوتور لفرض تفاوض إبداعي. الحوار الذي تلا ذلك لم يكن متكافئاً تماماً – إذ كان يُقرأ في الغالب كـ “اكتشاف” الغرب لليابان بدلاً من اعتراف صريح بقدومها – ولكنه كان على الأقل تفاوضاً بين مؤلفين معترف بهم.

أما المجتمعات التي لا تحظى بمثل هذا التفاوض، فهي بلا استثناء، تلك التي تفتقر إلى القوة الهيكلية لفرضه والمطالبة به. شعب “الميكسي” لا يملك “يوجي ياماموتو” ليدافع عنه، والنساجون الكشميريون الذين تحول “بادامهم” إلى “بايزلي” إسكتلندي لم يفتحوا أتيلييه في باريس لاستعادة نسبهم الفني، والنساجون في جبال الأنديز الذين تحول “البونشو” التقليدي الخاص بهم إلى قطعة أساسية في مجموعة “فالنتينو” لريزورت 2026 لا يملكون وكيلاً إعلامياً.

fashion runway backstage

إن العامل الذي يحدد من يصبح شريكاً إبداعياً ومن يتحول إلى مجرد “مواد خام” ليس عاملاً جمالياً؛ إنه عامل هيكلي، عامل استعماري. تستمر الموضة الفاخرة في التغذي على جماليات الجنوب العالمي، شريطة أن يظل المضيفون في المطبخ. إن ما تسميه الصناعة “استلهاماً من العالم” يعني، باطراد متوقع، الاستلهام من أجزاء العالم التي لا تملك أي آلية للرفض.

مشاركة المقالة

مقالات ذات صلة

اشترك في النشرة الإخبارية المجانية للحصول على دليلك لاتجاهات الموضة ونقاط الحوار الثقافية وأخبار المشاهير والنصائح الحصرية.