لطالما احتلت شانغهاي مكانة فريدة في المخيلة العالمية. وخلافاً للعديد من العواصم العالمية التي تستمد سلطتها وهيبتها من التاريخ، تستمد شانغهاي طاقتها وحيويتها من المستقبل؛ فهي مدينة أقل اهتماماً بالحفاظ على ما كانت عليه، وأكثر شغفاً بتخيل ما يمكن أن تصبح عليه. هذا الطموح الجارف يتجلى في كل زاوية، من هندستها المعمارية وبنيتها التحتية، إلى السرعة الفائقة التي تُتبنى بها الأفكار الجديدة وتُنفذ على أرض الواقع.
وصلتُ إلى هناك وأنا أتوقع سماع ذلك الصخب الصناعي الثقيل الذي عادة ما يميز المدن المليونية الفائقة (mega-cities)؛ إذ تمنيتُ أن يكون لأربعة وعشرين مليون إنسان صوت مسموع يملأ الأفق. لكن بدلاً من ذلك، وفي أُمسيتي الأولى هناك، وجدتُ نفسي واقفة على رصيف “ال bund” الأيقوني وأنا أتساءل بدهشة: لماذا يبدو الصمت هو الصوت الأعلى هنا؟

المشهد الصوتي لشانغهاي
مرت الإجابة بجانبي وهي تنساب بنعومة على الأسفلت.
إن شوارع شانغهاي تبدو كتدفق مستقبلي من سيارات “بورشه تايكان” (Porsche Taycans) وسيارات الدفع الرباعي المينيمالية من “نيو” (Nio SUVs)، وهي تتحرك بين ناطحات السحاب الزجاجية دون أن يصدر عنها سوى طنين خفي لبطارية كهربائية ولوحة ترخيص بلون أخضر نعناعي. إذا كنتِ تعبرين الشارع هناك، فلا تعتمدي على حاسة السمع؛ فلن تسمعي صوت قدومها أبداً.
ربما تكون شانغهاي أحد الأماكن القليلة على وجه الأرض التي تحولت فيها السياسات البيئية، بمحض الصدفة، إلى أسلوب حياة يطمح إليه الجميع. فقبل عشر سنوات، نجحت لمحة من العبقرية التشريعية في تحويل الامتثال البيئي إلى المسار الأسهل والأكثر عملياً للتنقل، مما جعل المدينة اليوم واحدة من أكثر عواصم السيارات الكهربائية حماساً وشغفاً في العالم.
فجرٌ فوق الدلتا
تنجح شانغهاي في إحداث نوع حاد ومحدد للغاية من اضطراب الرحلات الجوية الطويلة (jet lag)، كفيل بأن يُربك أكثر المسافرين تمرساً. وهو ما يعني، باختصار، أنني قضيتُ صباحي الأول دون القيام بأي شيء يُذكر؛ وهو قرار تبين لي، بمرور الوقت، أنه كان الخيار الأنسب تماماً.
كنتُ معلقة في الهواء داخل ردهة النادي (club lounge) في الطابق الـ 49 من فندق “ريتز-كارلتون”، أرتشف ماء جوز الهند بالياسمين المثلج، وأراقب الضباب وهو يتلاشى ببطء عن برج “لؤلؤة الشرق” (Oriental Pearl Tower) في تمام الساعة الخامسة صباحاً. في الأسفل، يشق نهر “هوانغبو” خطاً حاداً يقسم المدينة إلى نصفين: إلى الغرب تقع منطقة “بوكسي” (Puxi)، وهي القلب التاريخي للمدينة بمبانيها منخفضة الارتفاع؛ وإلى الشرق تقع “بودونغ” (Pudong)، وهي غابة عمودية من الأبراج الزجاجية التي تضم المحركات المالية لقارة آسيا.
ثمة جاذبية وتناقض مستمر بين ناطحات السحاب والخضرة الكثيفة المحيطة بالشوارع على كلا الجانبين؛ تنظرين إلى الأعلى فتجدين أبراجاً باردة وشاهقة الارتفاع تلامس الغلاف الجوي، وتنظرين إلى الأسفل لتجديها راسية وسط حدائق صغيرة، وأشجار الصفصاف الباكي، وتدفقات مفاجئة من النباتات الزمردية الساحرة. في شانغهاي، لم يتم تهجير الطبيعة، بل جرى تنسيقها عمداً وبعناية لتكمل المشهد العمراني للمدينة وتضفي عليه لمسة من النعومة والدفء.
لاحتياجات التسوق الخاصة بكِ
أسفل فندق الريتز-كارلتون مباشرة، يقع مركز تسوق “IFC Mall”، حيث تلمع الممرات الرخامية بنصوع شديد يجعلها تبدو كالمرايا العاكسة. ستجدين هنا كل المتاجر العالمية الكبرى التي قد تخطر على بالكِ. أما بالنسبة للمتاجر الحصرية والفريدة التي لن تخطر ببالكِ، فعليكِ التوجه إلى الضفة الأخرى من النهر؛ فبينما تمثل “بودونغ” شانغهاي الغد، فإن منطقة “الامتياز الفرنسي السابق” (the concession) هي المكان الذي ستجدين فيه روح المدينة؛ يفصل بينهما النهر فقط، ولكنهما تبدوان كعالمين منفصلين تماماً.
إن منطقة “الامتياز الفرنسي السابق” تمنح مكافأة خاصة لمن يعشق التجول بحرية؛ حيث ستجدين شوارع ضيقة تصطف على جانبيها المتاجر ذات المفاهيم الإبداعية concept stores)، البوتيكات المستقلة، القطع العتيقة (vintage)، والمعارض الفنية. كلها تعرض أعمالاً لمصممين محليين صاعدين، يرفضون هوس الشعارات الصارخة (logo-mania) وينحازون بدلاً من ذلك إلى الأناقة العملية والطليعية (avant-garde utility).
التجزئة كفعل فني
ما يصبح واضحاً تماماً بعد قضاء بضع أسباب في شانغهاي هو أن التجزئة والتسوق هناك هما شكل من أشكال البرمجة الثقافية.
ولا يبدو هذا الأمر جلياً في أي مكان آخر كما هو عليه في شارع “هوايهاي الأوسط” (Middle Huaihai Road). ففي المتجر الرئيسي لعلامة “جنتل مونستر” (Gentle Monster) وتوأمها العطري “تامبورينز” (Tamburins)، يتم تفكيك مفهوم التسوق التقليدي بالكامل؛ إذ يعمل كلا المتجرين في مساحة وسطى بين التجهيز الفني الغامر، والأداء الاستعراضي، وأحلام اليقظة. منحوتات ضخمة فائقة الواقعية ترمش في تزامن بطيء ومثير للدهشة، وعروض سريالية تشغل غرفاً بأكملها، بينما يقوم الزوار بتصوير الديكورات الداخلية بحماس يتجاوز شغفهم بالبضائع المعروضة نفسها. ستجدين نفسكِ تتجولين وسط هذه التجهيزات الحركية لمجرد شراء نظارة شمسية جديدة أو كريم لليدين.
الشارع بأكمله عبارة عن مشهد صُمم خصيصاً للفضوليين؛ ستجدين نفسكِ تسيرين بلا هدف محدد حتى توقفكِ واجهة عرض مبهرة وحتماً ستجبركِ على التأمل، وسيتكرر هذا الأمر كثيراً. وكان اكتشافي المفضل هو وعاء شاي سيراميكي مصنوع يدوياً بطلاء “سيلادون” (Celadon) حريري خالٍ من العيوب، اشتريته من حرفي من الجيل الثالث في أُمسيتي الأخيرة؛ وعثرتُ عليه بمحض الصدفة لمجرد أنني اخترتُ السير في طريق أطول للوصول إلى سيارة الأجرة.
شانغهاي في طبق
لتناول العشاء، احجزي طاولة في “Taian Table”، التحفة الفنية الحائزة على ثلاث نجوم ميشلان للشيف “ستيفان ستيلر”، والمختبئة في زقاق هادئ بمنطقة “شانغنينغ”. عند جلوسكِ أمام المنضدة المفتوحة (open counter)، ستكون الوجبة بمثابة تدرج ساحر للنكهات: محار ممتلئ، قنافذ بحر رقيقة، أخطبوط طري ممزوج بـكافيار “كالوغا” المعتّق خصيصاً، وطبق لا يُنسى من أرجل سلطعون الملك.
نصيحة بشأن ضبط النفس: لا تمارسيه هنا. عندما تُسألين عما إذا كنتِ ترغبين في الإضافات الموسمية، وافقي دون شروط؛ سواء كان ذلك كمأ الكمأة الشتوية المبشورة أو ملعقة من كافيار “أوسيترا” فوق الجيلاتو المصنوع منزلياً، دعيها تُضاف إلى الفاتورة فحسب.
أما لتناول طبق كاجوال من نودلز زيت البصل الأخضر، فابحثي عن متجر صغير وبسيط (hole-in-the-wall) في شارع “هوانغهي” (Huanghe Road)، وكوني على يقين بأن طبقاً بـ 15 يواناً صينياً سيكون أكثر إرضاءً من معظم الوجبات ذات الأرقام الفلكية في بلدكِ. ابدئي حواراً مع شخص يقضي استراحة الغداء، وتواصلي معه بمزيج من الإيماءات، والابتسامات، وتطبيق “Baidu Translate“. ربما لن يكون الحوار مثالياً، ولكن مجدداً، معظم المحادثات البشرية ليست كذلك؛ ومع ذلك، ستتعلمين عن شانغهاي من هذا الموقف أكثر مما قد يعلمكِ إياه أي منصة مراقبة في برج شاهق.
ملاذ المبيت
ولأن شانغهاي تعمل بنبض مستمر على مدار الأربع وعشرين ساعة، فإن اضطراب رحلتكِ الجوية قد يعمل لصالحكِ. لتجربة العمق الحقيقي لما تقدمه المدينة عند حلول الليل، يمكنكِ الاختفاء داخل سبا ومستحم “Qushui Lanting”؛ هذا الملاذ المصنوع من الحجر المينيمالي، والزجاج الهيكلي، والمسابح الحرارية العميقة، يفتح أبوابه على مدار الساعة. الحصول على جلسة تدليك (massage) في تمام الساعة الثانية صباحاً، يليه قائمة طعام ليلية من الفواكه الطازجة والجمبري المقشر بدقة متناهية وأنتِ مسترخية داخل جناح حجري، هو الترياق المثالي للانتصار على الساعات التي كنتِ ستخسرينها بلا فائدة في غرفتكِ الفندقية.
كبديل آخر، يمكنكِ الاستمتاع بساعات منتصف الليل داخل السبا الخاص بفندق “ريتز-كارلتون”، والسباحة في المسبح اللامتناهي (infinity pool) الداخلي مع إطلالة ساحرة على أضواء النيون المتوهجة لمنطقة “بودونغ” في الأسفل. الطفو وحيدة في الظلام، مع الطنين الهادئ للمدينة الفائقة المعلق خلف الزجاج، يمنحكِ عزلة ومساحة مطلقة من مدينة تطالب بانتباهكِ في جميع ساعات اليوم.
وداعاً شانغهاي
عندما يحين وقت المغادرة، اصعدي إلى مطار شانغهاي بودونغ الدولي في وقت أبكر من اللازم. استرخي في صالة الانتظار (lounge) مع كأس من نبيذ “Coche-Dury Meursault” الأبيض الفاخر وآخر طبق من النودلز الساخنة، وراقبي الطائرات البعيدة المدى وهي تصطف على المدرج؛ ستكون لديكِ الفرصة لتصفية ذهنكِ وربما تبادل أطراف الحديث مع شخص غريب.
لقد دار حديثي الأخير هناك حول السيارات الصينية والسرعة المذهلة للتقدم التكنولوجي في البلاد؛ وكان ذلك بمثابة انعكاس وتأمل ختامي مثالي يناسب روح هذه المدينة الاستثنائية.





