تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي نصائح لا حصر لها تعد بتحقيق التوازن الهرموني، أو تحسين الهرمونات، أو حتى إصلاحها بالكامل، وغالبًا ما يكون ذلك من خلال سموذي مُعد بعناية، أو مجموعة من المكملات الغذائية، أو مزيج من البذور. وبين اتجاهات الرفاهية الصحية والنصائح الطبية الحقيقية، أصبح من الصعب أكثر فأكثر التمييز بين الحقيقة والضجيج.
لكن الواقع أقل درامية، وربما أكثر إثارة للاهتمام.
فالهرمونات ليست ثابتة.
فعلى مدار الشهر، ترتفع مستويات هرموني الإستروجين والبروجستيرون وتنخفض، وهو ما يؤثر في كل شيء تقريبًا، من الشهية ومستويات الطاقة إلى الهضم والنوم. ولهذا قد يبدو الأسبوع الذي يسبق الدورة الشهرية مختلفًا تمامًا عن الأسبوع الذي يليها، حتى لو ظل روتينك اليومي كما هو.
لكن هذا لا يعني أن كل رغبة في تناول الطعام هي أزمة هرمونية، أو أن كل مرحلة من الدورة الشهرية تتطلب نظامًا غذائيًا مختلفًا بالكامل. في الواقع، تشير معظم الدراسات إلى العكس. فأساسيات التغذية السليمة تبقى ثابتة إلى حد كبير. وما يتغير هو الطريقة التي يستخدم بها الجسم الطاقة، ويستجيب للجوع، ويشير إلى احتياجاته الغذائية في مراحل مختلفة من الشهر.
لنلقِ نظرة على ما تقوله الأبحاث فعلًا، وما إذا كانت جداول الأطعمة المرتبطة بمراحل الدورة الشهرية تستحق كل هذا الاهتمام.

خلال أسبوع الدورة الشهرية: عوضي ما يفقده جسمك، ولا تحرميه
إذا كانت هناك مرحلة تستحق أن نولي فيها التغذية اهتمامًا إضافيًا، فهي هذه المرحلة.
فأثناء الدورة الشهرية، يعمل الجسم بجهد أكبر مما نتصور. إذ قد تنخفض مخازن الحديد نتيجة فقدان الدم، وقد تتراجع مستويات الطاقة، بينما يكون الالتهاب غالبًا السبب وراء التقلصات والشعور العام بعدم الراحة.
وهنا تصبح الأساسيات هي الأهم. فالأطعمة الغنية بالحديد، مثل اللحوم الحمراء، والعدس، والفاصوليا، والخضراوات الورقية، تساعد على دعم مستويات الحديد، بينما قد يساهم تناولها إلى جانب أطعمة غنية بفيتامين C في تحسين امتصاصه. كما يبقى الحفاظ على الترطيب أمرًا أساسيًا، خصوصًا إذا كانت الدورة الشهرية ترافقها أعراض مثل الإرهاق أو الصداع.
وقد يكون الإغراء باتباع نظام غذائي صارم قويًا، خاصة بعد فترة من المناسبات الاجتماعية أو السفر، لكن هذه المرحلة لا تتعلق بالانضباط بقدر ما تتعلق بدعم الجسم. فكري في التغذية، لا الحرمان.

عندما تعود الطاقة: لماذا تبقى الاستمرارية هي الأساس؟
مع ارتفاع مستويات الإستروجين بعد انتهاء الدورة الشهرية، تلاحظ كثير من النساء تغيرًا في الطاقة، والمزاج، والدافع. فقد تصبح التمارين الرياضية أسهل، ويتحسن التركيز، بينما تبدو الوجبات التي كانت تمنحك الشعور بالراحة قبل أسبوع أقل جاذبية الآن.
وغالبًا ما تشجع ثقافة الرفاهية الصحية النساء في هذه المرحلة على إعادة صياغة روتينهن بالكامل. لكن في الواقع، لا توجد أدلة علمية قوية تشير إلى ضرورة اتباع نظام غذائي مختلف كليًا. فطبق متوازن يحتوي على البروتين، والألياف، والدهون الصحية، والكربوهيدرات، يظل الخيار الأمثل.
وربما تذكرنا هذه المرحلة بأن الاستمرارية أكثر قيمة من السعي المستمر وراء أحدث صيحات التغذية.

لماذا يبدو الأسبوع الذي يسبق الدورة الشهرية مختلفًا؟
ربما لا توجد مرحلة في الدورة الشهرية حظيت بهذا القدر من التدقيق مثل الأيام التي تسبق نزولها.
فتزداد الرغبة في تناول الطعام، ويظهر الانتفاخ فجأة، ويصبح من الصعب مقاومة الرغبة في تناول وجبة إضافية أو وجبة خفيفة ثالثة خلال فترة بعد الظهر.
وخلافًا لما يعتقده كثيرون، فالأمر لا يتعلق فقط بقوة الإرادة. إذ تشير الأبحاث إلى أن استهلاك الطاقة يزداد غالبًا خلال المرحلة الأصفرية، وهي الفترة الممتدة بين الإباضة والدورة الشهرية. وبمعنى آخر، قد يكون جسمك بحاجة فعلًا إلى مزيد من الطاقة خلال هذه المرحلة.
وبدلًا من مقاومة هذه الإشارات، يوصي الخبراء بشكل متزايد بالتعامل معها.
فإعطاء الأولوية للبروتين، والأطعمة الغنية بالألياف، والكربوهيدرات المعقدة، قد يساعد على استقرار مستويات السكر في الدم والحفاظ على الطاقة بصورة أكثر توازنًا طوال اليوم.
كما أن إدراك أن الرغبة في تناول الطعام ليست بالضرورة علامة على وجود مشكلة يحمل شيئًا من الراحة. ففي بعض الأحيان، تكون مجرد رسالة من الجسم.

هل تستحق المكملات الغذائية كل هذه الضجة؟
أصبحت رفوف المكملات الغذائية مزدحمة بمنتجات تعد بكل شيء، من تحقيق التوازن الهرموني إلى تحسين الدورة الشهرية. لكن الحقيقة أقل بريقًا بكثير.
فبالنسبة للنساء اللواتي يعانين من نقص مثبت في بعض العناصر الغذائية، قد تكون المكملات ذات أثر كبير. فقد يُوصى بالحديد عند انخفاض مستوياته، كما خضعت مكملات الكالسيوم، وفيتامين D، والمغنيسيوم للدراسة لدورها المحتمل في التخفيف من أعراض ما قبل الدورة الشهرية.
ومع ذلك، ينبغي النظر إلى المكملات باعتبارها ما يوحي به اسمها تمامًا: مكملات. فهي لا تستطيع تعويض التوتر المزمن، أو قلة النوم، أو سوء التغذية، أو وجود مشكلة صحية أساسية.
وقبل الاستثمار في روتين مكلف يَعِد بتحسين الهرمونات، ربما يجدر طرح سؤال أبسط: هل ألبي احتياجاتي الغذائية الأساسية أولًا؟

الحقيقة وراء مزامنة الدورة الشهرية
أصبحت مزامنة الدورة الشهرية واحدة من أكثر المصطلحات تداولًا في عالم الرفاهية الصحية. وتقوم فكرتها ببساطة على تعديل التمارين الرياضية، والتغذية، ونمط الحياة وفقًا للمرحلة التي تمرين بها من دورتك الشهرية.
ورغم أن كثيرًا من النساء يجدنها وسيلة مفيدة لتعزيز الوعي بالجسم، فإن الأدلة العلمية التي تدعم اتباع قواعد غذائية صارمة بحسب مراحل الدورة الشهرية لا تزال محدودة. فلا يوجد مكوّن سحري يحسن الهرمونات خلال الإباضة، ولا بذرة بعينها قادرة على إنهاء أعراض ما قبل الدورة الشهرية بين ليلة وضحاها.
لكن ما تشجع عليه هذه الممارسة فعلًا هو الملاحظة. فهي تدعو النساء إلى مراقبة الأنماط، وفهم أجسادهن، وإجراء التعديلات عند الحاجة. وعند استخدامها بهذه الطريقة، يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية. ليس لأنها تقدم معادلة مثالية، بل لأنها تذكرنا بأن أجسادنا في حالة تغير مستمر.
وربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم. فتناول الطعام بما يناسب هرموناتك لا يتعلق بالتحكم في دورتك الشهرية، بل بالاستجابة لها. فالهدف ليس الوصول إلى الكمال، وإنما تعلم قراءة الإشارات التي يرسلها الجسم، والثقة الكافية للإصغاء إليها.
