هناك من يروي القصص. وهناك من يبدو وكأنه يجمعها.
يشبه الجلوس مع أمير المصري إلى حد ما فتح كتاب تمت قراءته مرارًا وتكرارًا؛ فكل حديث يقود إلى مكان غير متوقع، لكنه لا يبدو مفتعلًا أبدًا. فضولي بطبعه وواثق بهدوء، ويتحدث بتلك السهولة التي تأتي من اهتمام حقيقي بالعالم من حوله.
بعيدًا عن الشاشة، لا يوجد أي إحساس بالأداء أو التصنع لدى المصري. بل إن أكثر ما يلفت الانتباه فيه هو انفتاحه. واستعداده للتعلم، والاستماع، والانغماس بالكامل في أي تجربة جديدة تنتظره.
وربما لهذا السبب تحديدًا بدا فيلم «القصص»، الذي ينطلق في دور العرض يوم 17 يونيو، مناسبًا له بشكل طبيعي للغاية.
الاقتراب من التفاصيل اليومية
ينتقل الفيلم، من إخراج أبو بكر شوقي، بين مصر والنمسا، متتبعًا حياة عائلة عبر عقود مختلفة. وتتجاور فيه اللحظات الثقافية العميقة مع تفاصيل الحياة اليومية، ليقدم صورة لمصر تبدو شخصية للغاية وفي الوقت نفسه جماعية ومألوفة للجميع. الأحداث التاريخية حاضرة، لكنها لا تهيمن على السرد.
بل تتكشف من خلال حياة أشخاص عاديين. نراها عبر موائد الطعام العائلية، وقصص الحب الأولى، وخيبات الأمل، ومباريات كرة القدم.
وفي قلب القصة يقف أحمد، الذي يجسد شخصيته أمير المصري، وهو شاب قاهري يحلم بأن يصبح عازف بيانو للحفلات الموسيقية. وبينما يخوض رحلة النضج ويتعامل مع العائلة والتحولات المستمرة في الحياة من حوله، تتكشف الأحداث من خلال مراسلاته مع صديقة نمساوية بالمراسلة، لتنسج خيطًا إنسانيًا حميمًا يربط بين بلدين وثقافتين ورؤيتين مختلفتين عبر الزمن.
والنتيجة قصة تذكرنا بأن التاريخ نادرًا ما يُعاش باعتباره عنوانًا رئيسيًا. بل يصل إلينا غالبًا من خلال الأشخاص الأقرب إلينا.
الدخول إلى عالم أحمد
بالنسبة للمصري، لم يكن الانضمام إلى المشروع قرارًا صعبًا أبدًا.
فبعد سنوات من إعجابه بأعمال أبو بكر شوقي، يتذكر أنه اقتنع بالفيلم قبل أن يقرأ السيناريو حتى. فعندما عرض عليه المخرج الفكرة للمرة الأولى خلال حديث جمعهما أثناء تصوير مسلسل فيجيل في غلاسكو، أثارت اهتمامه على الفور. وعندما قرأ السيناريو لاحقًا، أكد له ذلك الشعور الأول.
ويقول: «كان مؤثرًا ومضحكًا وقريبًا من الناس. وعرفت فورًا أنه سيكون عملًا مميزًا».
تبع ذلك أشهر من التحضير. فبعد انتهائه من تصوير جاينت، عاد المصري إلى القاهرة وانغمس في دروس البيانو، متدربًا لساعتين يوميًا تحت إشراف أستاذة الكونسرفتوار الدكتورة أمنية عز الدين.
وقد منحتْه التجربة أكثر من مجرد إتقان تقني للعزف. إذ ولّدت لديه تقديرًا حقيقيًا للموسيقى الكلاسيكية، وأصبحت مثالًا آخر على التحضير الدقيق الذي بات يميز أعماله.
ويقول: «أردت أن أقترب قدر الإمكان من الحقيقة».
وامتد هذا الاهتمام بالتفاصيل إلى ما هو أبعد من البيانو. فالفيلم يمتد على مدار عقدين من الزمن، ما تطلب من المصري التفكير ليس فقط في الرحلة العاطفية للشخصية، بل أيضًا في التغيرات الجسدية الدقيقة التي يفرضها مرور الوقت. وبالتعاون مع مدرب للحركة، درس كيف يمكن أن تتغير وقفة أحمد وطريقة تحركه وحضوره مع مرور السنوات.
ويشير إلى أن هذه التغييرات جاءت مقصودة لكنها دقيقة للغاية.
ويقول: «قد يمر عليها المشاهد من دون أن ينتبه إليها. لكنها تمنحني إحساسًا أكبر بالثقة كممثل».
العائلة في قلب كل شيء
رغم أن «القصص» ينتقل بين بلدان وفترات زمنية مختلفة، فإن جوهره العاطفي يظل حميميًا بشكل لافت.
يقضي أحمد، الشخصية التي يجسدها المصري، جزءًا كبيرًا من الفيلم وهو يبحث عن شيء ما، أو ربما «يهرب منه»، كما يقول. وبينما تتغير مصر من حوله، يواجه أسئلة تتعلق بالمسؤولية والعائلة والاختيارات التي تشكل حياة الإنسان في نهاية المطاف.
لكن ما يبقى طويلًا بعد انتهاء الفيلم ليس حدثًا بعينه.
بل ذلك الشعور بالألفة.
فالفيلم يلتقط شيئًا سيتعرف عليه كثير من المصريين: الطريقة التي تنتقل بها الحكايات العائلية من جيل إلى آخر.
ولا تُقدَّم قصة العائلة على أنها قصة مصر نفسها. بل تسيران جنبًا إلى جنب. فالحب يتطور بالتوازي مع التحولات السياسية. والخيبات الشخصية تتعايش مع الانتصارات الوطنية. وتصبح مباريات كرة القدم علامات تقيس مرور الزمن. بينما تحمل الخلافات المنزلية الصغيرة الوزن نفسه الذي تحمله اللحظات التاريخية الكبرى.
بعد انتهاء الفيلم
على امتداد الفيلم، تُروى الأحداث الكبرى من خلال التجربة الإنسانية. فالفكاهة تخفف من وطأة الحزن، وتجلس اللحظات اليومية جنبًا إلى جنب مع اللحظات العميقة. ويُدعى المشاهد إلى التعرف على نفسه ليس من خلال الاستعراض أو المشاهد الضخمة، بل من خلال الألفة. وبحلول النهاية، تشعر أنك أقل شبهًا بمشاهد يتابع الأحداث، وأكثر شبهًا بقريب بعيد دُعي للجلوس إلى المائدة.
وبالنسبة للمصري، كان هذا الارتباط العاطفي أحد أكثر جوانب استقبال الفيلم إرضاءً بالنسبة له.
فحتى قبل طرحه على نطاق واسع، تواصل معه مشاهدون ليخبروه إلى أي مدى رأوا أنفسهم في شخصية أحمد.
بعضهم رأى زواجه الخاص منعكسًا في القصة. وآخرون رأوا أفرادًا من عائلاتهم. وكثيرون ارتبطوا ببساطة بذلك الدفء الذي يولده مشاهدة أشخاص يبقون معًا رغم عقود من التغيير.
ويقول: «أعتقد أن الناس يخرجون من الفيلم وهم يشعرون بقدر كبير من الدفء».
وهو شعور يبدو أكثر ندرة اليوم.
فعائلة الفيلم ليست مثالية. ويقول المصري: «يتشاجرون على أبسط الأمور، وأحيانًا يدفع بعضهم بعضًا إلى الجنون». لكنه يضيف أنهم «يبقون مرتبطين بشيء أكبر من أي خلاف فردي».
ويصبح هذا الإحساس بالاستمرارية إحدى أبرز نقاط قوة الفيلم. تذكيرًا بأن التاريخ قد يشكل حياتنا، لكن علاقاتنا الإنسانية هي التي تعرفنا في النهاية.
بين عالمين
مثل الفيلم نفسه، تعيش حياة المصري بين أكثر من مكان.
فبعد أن أمضى معظم حياته في المملكة المتحدة، قبل أن يقسم وقته بين لندن والقاهرة بعد الجائحة، أصبح يفهم تعقيدات العيش بين هويات متعددة. ومع ذلك، يتحدث عن الأمر بوضوح لافت.
فبدلًا من الشعور بأنه عالق بين عالمين، يفضل التركيز على ما علمه إياه كل منهما.
وقد شكل هذا المنظور طريقته في اختيار مشاريعه. فعلى الرغم من بنائه لمسيرة مهنية تمتد بين الإنتاجات المحلية والعالمية، يرفض المصري فكرة أن النجاح لا يوجد إلا في مكان آخر.
ويقول: «عندنا حاجة اسمها عقدة الخواجة»، في إشارة إلى الاعتقاد بأن الفرص في الخارج أفضل بطبيعتها.
وبالنسبة له، فإن «القصص» يمثل دليلًا على العكس.
ويقول: «من المحتمل أنه واحد من أفضل المشاريع التي شاركت فيها على الإطلاق».
ويؤكد أن الأهم بالنسبة له هو القصة نفسها. أما مصدر الإنتاج أو مكانه فيصبح أمرًا ثانويًا عندما تكون الحكاية قوية بما يكفي.
ويقول: «إذا كانت القصة هي أولويتك الأولى، فكل شيء آخر سيأتي في مكانه الصحيح».
وهي فلسفة تبدو أكثر أهمية اليوم مع استمرار السينما المصرية في حصد الاعتراف الدولي. فقد ينتقل «القصص» بين قارات مختلفة، لكن قلبه يبقى مصريًا بامتياز؛ حميميًا، ودقيقًا، وشخصيًا إلى أبعد حد.
وبالنسبة للمصري، فهو أيضًا تذكير بأن بعض أكثر القصص أهمية هي تلك الأقرب إلى الوطن.
ما زال يطارد القصة التالية
على الرغم من كل ما حققه المصري، لا يوجد شعور حقيقي بالوصول إلى محطة نهائية.
وعندما يُسأل عما بقي ثابتًا طوال مسيرته المهنية، تأتي إجابته سريعًا.
ويضحك قائلًا: «قلة صبري».
ليست قلة صبر تجاه النجاح، بل تجاه رغبته في صناعة أعمال تحمل معنى حقيقيًا.
وبعد سنوات من النجاح الدولي الذي حققه فيلم «ليمبو»، وما تبعه من حضور في أبرز المهرجانات وحفلات الجوائز، لا يزال مقتنعًا بأنه لا توجد نقطة وصول نهائية في هذه المهنة.
ويقول: «أنت لا تصل في هذا المجال. أنت فقط تستمر».
وهي عقلية ازدادت أهمية مع مرور الوقت والخبرة. فبينما كان من الممكن أن يشعر في بداياته بالإحباط من الفرص التي تبدو متاحة لغيره أو من الطرق المختصرة التي يسلكها البعض، فإنه اليوم ينظر إلى الصناعة بمنظور أكثر اتزانًا.
ويقول: «لا أحد مدين لك بشيء. لا يزال عليك أن تحضر كل يوم وتقوم بالعمل».
وهناك تواضع هادئ في الطريقة التي يتحدث بها عن النجاح. ليس باعتباره شيئًا مضمونًا، بل شيئًا يُكتسب مرارًا وتكرارًا من خلال الاستمرارية والفضول والرغبة في التعلم.
وربما يكون هذا أكثر ما تغير منذ بداية مسيرته المهنية. ليس الطموح نفسه، بل إدراكه أن التطور لا يتوقف أبدًا.


على رأس الحلم
تمتد هذه الفلسفة إلى مرحلته المقبلة.
فقد أطلق المصري مؤخرًا شركة الإنتاج «هيلم وورلد»، التي أسسها بالشراكة مع صديقته القديمة ألانا أوليفيا. ويحمل الاسم لعبة لغوية تجمع بين التعبير الإنجليزي At the Helm وكلمة «حلم» العربية، في إشارة إلى الهدف الذي تسعى إليه الشركة: دعم القصص الشخصية والمؤثرة والمتجذرة ثقافيًا.
وفكرتها بسيطة:
رواية القصص التي تستحق أن تُروى.
قصص باللغة الإنجليزية.
وقصص باللغة العربية.
وقصص تنطلق من تجارب معاشة، لا من افتراضات مسبقة.
ويقول: «نحن نتعمد العمل مع صناع أفلام سلكوا طريقًا مشابهًا لطريقنا».
ومن نواحٍ كثيرة، يبدو الأمر امتدادًا طبيعيًا لكل ما جذبه إلى فيلم «القصص» منذ البداية.
لأنه، سواء كان يجسد شخصية أمام الكاميرا أو يساعد في إخراج مشروع إلى النور خلف الكواليس، يبقى اهتمام المصري منصبًا على الشيء نفسه الذي جذبه دائمًا: الأشخاص الموجودون في قلب الحكاية.
وإذا كان «القصص» يثبت شيئًا، فهو أن هذه غالبًا هي الحكايات التي تستحق أن تُروى.
يمكنكم مشاهدة فيلم «القصص» في دور العرض ابتداءً من 17 يونيو 2026.






