يقع مركز رمسيس ويصا واصف للفنون على أطراف القاهرة، ويبدو أقل كونه ورشة عمل وأكثر كأنه أرشيف حي نابض بالحرفة المصرية. هنا، تدور الأنوال بهدوء، ويُصبغ الصوف في ساحات دافئة تحت الشمس، وتنبثق الجداريات ليس من تصاميم مرسومة مسبقًا، بل من إحساس فطري.
ومع دخولنا المكان، والتحدث مع العقل الذي يقف وراء إرثه، ومع النساء اللواتي يواصلن تشكيله، يتضح أمر واحد: هذه ليست مجرد حياكة. إنها محاولة للحفاظ على طريقة تفكير، خيطًا تلو الآخر.
التاريخ وراء المركز
تأسس المركز عام 1952 على يد رمسيس ويصا واصف، وكان قائمًا على فكرة جريئة: أن الإبداع الحقيقي لا يمكن تعليمه، بل يمكن تحريره فقط.
كانت رؤيته أن يعمل مع أطفال من القرى المجاورة، كثير منهم من الفتيات، دون أي تدريب مسبق، وأن يترك لهم حرية النسج دون رسومات أو أنماط مفروضة.
إيمانًا منه بأن الفن الإبداعي موجود داخل كل إنسان، سعى ويصا واصف لإثبات أن الإبداع يسكن الأطفال منذ البداية – ويحتاج فقط إلى من يطلقه. وتقول سوزان ويصا واصف: “من الجيل الأول الذي عمل مع والدي، لا يزال هناك فنانان حتى اليوم. أحدهما موجود هنا منذ أكثر من 70 عامًا – بدأ عام 1950 وهو في التاسعة من عمره.”
العملية
اعتمد ويصا واصف على ثلاث قواعد أساسية.
أولًا، عدم عرض أي أعمال أخرى على الأطفال – سواء في النسيج أو الفن – للحفاظ على فرديتهم وأسلوبهم الخاص. وكانت أعمالهم، التي غالبًا ما تجسد الحياة الريفية والفلكلور والمشاهد اليومية، تحمل عمقًا عاطفيًا هادئًا. لا تكرار، ولا قوالب ثابتة – فقط إيقاع وصبر وحوار غير معلن بين الصانع والخامة.
ثانيًا، عدم انتقاد أعمالهم، بل منحهم المساحة لاكتشاف لغتهم الخاصة، وبإيقاعهم الشخصي. فالحياكة فن بطيء، يسمح “للشباب بتطوير أفكارهم أثناء العمل. ليس من السهل تحويل صورة في ذهنك إلى خيط. عليك أن تمر بالتقنية وتدمج أفكارك مع الحرفة”، كما توضح ويصا واصف.
وأخيرًا، أن يتطور العمل بشكل عفوي، دون تصميم مسبق. إذ كان الهدف أن تظل الحياكة مرنة وغير مقيدة، بحيث تنمو كل قطعة بشكل طبيعي مع صانعها. وتضيف: “إذا لم تسمحي لهم برسم ما سينسجونه، سيبقى خيالهم حيًا منذ بداية العمل حتى نهايته.”
والنتيجة أعمال تبدو شخصية للغاية، أقرب إلى الحلم – كل قطعة حكاية منسوجة بالكامل من الذاكرة والخيال. وبعد عقود، لا تزال هذه الفلسفة قائمة. فالنساء هنا لسن مجرد حرفيات، بل راويات قصص.
مزج الفن بالوعي الاجتماعي
بعيدًا عن الجانب الفني، هناك أثر أعمق. فقد كان المركز مساحة للاستقلال الاقتصادي والتمكين الإبداعي، يتيح للنساء من المجتمعات المحيطة فرصة تطوير مهاراتهن وكسب دخل.
وتوضح ويصا واصف: “عندما بدأ المشروع، لم يكن من المعتاد أن تخرج الفتاة من المنزل أو تعمل أو تكسب المال. كان ذلك يُعد عيبًا. لكن هؤلاء النساء تحدّين التقاليد، لأن الفن منحهن ثقة وقوة. وكان هذا العمل بالنسبة لهن مصدر سعادة.”
اليوم، يبدو هذا النموذج أكثر أهمية من أي وقت مضى، في ظل تصاعد النقاشات حول الاستدامة وحقوق الإنتاج والأصالة.
وترى ويصا واصف أن الفن شكل من أشكال التحرر، قائلة: “منذ البداية، عندما ينهي الطفل قطعة، يحصل على مقابل مادي – لنرسل رسالة للعائلة أن هذا عمل جاد وله قيمة، وللطفل أن إبداعه ووقته وجهده مقدّرين.”
عودة إلى الجذور
تُنسج الجداريات من الصوف أو القطن، وتُستمد ألوانها من أصباغ طبيعية تُحضّر من نباتات تُزرع محليًا. ومرة واحدة سنويًا، يجتمع الفنانون لصبغ الخامات بشكل جماعي، “مما يمنحهم إحساسًا بالتمكين، لأنهم يملكون المواد التي يعملون بها”، كما تشرح ويصا واصف.
تشكل ثلاثة ألوان أساسية القاعدة. يُستخرج الأحمر من جذور الفوة، التي تحتاج إلى أربع أو خمس سنوات قبل أن تعطي لونها. ويُستخدم النيلي لإنتاج درجات الأزرق، بينما يُستخرج الأصفر من نبات الولد. كما تُستخدم أوراق الأوكالبتوس والبقان لإنتاج درجات الأخضر والبني.
الوجود في مشهد متغير
واجه المركز تحديات مع تسارع وتيرة الحياة الحديثة، والتكنولوجيا، والتوسع العمراني. وتقول ويصا واصف: “التحدي هو إيقاع الحياة.”
في السابق، كان التعليم – إن وُجد – يستغرق ساعات قليلة، ما أتاح للمركز دورًا أكبر في تنمية الإبداع. أما اليوم، فمع جداول أكثر ازدحامًا، أصبح من الصعب على الكثير من النساء تخصيص الوقت كما في السابق.
ازدواجية لافتة
“لقد أثبتنا على مدار ما يقرب من 80 عامًا أن الفن الإبداعي موجود بالفعل داخل الناس، وخاصة الشباب. إذا مُنحوا الوقت والحرية للتعبير، فإن لذلك قيمة كبيرة. أعتقد أن العالم يحتاج إلى هذا الإيمان بالإنسان”، تقول ويصا واصف.
ولا يزال المركز ملتزمًا بكونه مساحة للإلهام، تمنح الشباب إحساسًا بالإمكانية، وبما يمكن تحقيقه عندما تُمنح لهم حرية الإبداع.
ما يجعل مركز رمسيس ويصا واصف للفنون مميزًا هو هذه الازدواجية: فهو تقليدي بعمق، وراديكالي بهدوء. في عالم تحكمه السرعة والتكرار، يتمسك بالبطء. بالفردية. وبفكرة أن الجمال يكون في أفضل حالاته عندما يكون عفويًا.







