انطلقت فعاليات الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي داخل دار الأوبرا المصرية، حيث اجتمع صناع السينما، وشخصيات الصناعة، والجمهور في حفل افتتاح حمل طابعًا احتفاليًا وثقافيًا في آنٍ واحد، ليؤكد منذ لحظاته الأولى على العلاقة العميقة التي تربط بين تاريخ السينما المصرية العريق وبين الأصوات السينمائية الصاعدة التي تعيد تشكيل المشهد المعاصر. وقد بدا واضحًا أن المهرجان يضع لنفسه نبرة خاصة هذا العام، إذ جمع بين العناصر الفنية الكلاسيكية والتعبيرات الإبداعية الحديثة، في توليفة متوازنة أرست الإيقاع العام لبقية الأمسية وأيام المهرجان المقبلة.
حسين فهمي يرسم ملامح هوية المهرجان
اعتلى رئيس المهرجان، الفنان حسين فهمي، خشبة المسرح ليلقي كلمة عبر من خلالها بوضوح عن رؤية المهرجان وتوجهه هذا العام، مؤكدًا أن “مصر هي بلد الثقافة والسينما… ونحن قادرون على صنع المعجزات”، في تصريح حمل نبرة فخر وثقة بتاريخ طويل من الإبداع. كما أشار إلى مكانة مصر كمركز للدبلوماسية الإقليمية وذات حضور عالمي مؤثر، رابطًا ذلك بالموجة الجديدة من صناع السينما المصريين، ومشددًا على أهمية التحلي بالجرأة والثقة في التعبير عن الذات الفنية والانخراط بقوة في الساحة الدولية.

وزير الثقافة يقدم بيانًا ثقافيًا
تلاه وزير الثقافة الدكتور أحمد فؤاد هنو، الذي وسع في كلمته مفهوم السينما بوصفها وعاءً جامعًا للهوية، والخيال، والذاكرة الجمعية، قائلًا: “نحن في حضرة السينما الساحرة… ونرفع صوت السلام عبر الفن”، في تأكيد على دور الإبداع كوسيلة للتواصل الإنساني وبناء الوعي. وربط الوزير بين المهرجان وبين افتتاح المتحف المصري الكبير، معتبرًا كليهما تعبيرين عن مشروع وطني لحفظ الثقافة المصرية وصونها، واصفًا ذلك بأنه “فضاء مكرس للفن، تتخذ فيه السينما مصدر الإلهام، ويقف شاهدًا على عبقرية المصريين عبر الزمن.”

كما أعلن عن مشروع ترميم وترجمة أكثر من عشرين فيلمًا من كلاسيكيات السينما المصرية، من بينها بين القصرين (1964) وشيء من الخوف (1969)، ضمن مبادرة شاملة تهدف إلى حفظ ورقمنة ما يزيد عن 1400 فيلم كلاسيكي، لضمان بقاء السينما
“سجلًا حيًا لهويتنا” وحمايتها من التلف أو الاندثار.
تحية وفاء متجذرة في موضوعات الليلة
جاءت لحظة تكريم الفنانين الذين فقدتهم مصر هذا العام كإحدى أكثر محطات الحفل تأثيرًا عاطفيًا، خاصةً بعد الكلمات التي تناولت الذاكرة والإرث الفني. عاد حسين فهمي إلى المسرح ليكرم الممثلين والمبدعين الذين ساهموا في تشكيل السرد السينمائي المصري، حيث عُرضت على الشاشة أسماء مثل نبيل الحلفاوي، لطفي لبيب، سليمان عيد، سميحة أيوب، تيمور تيمور، وأحمد عبد الله، بينما وقف الحضور مصفقين في مشهد مهيب. لم تكن تلك اللحظة مجرد وداع، بل تذكير صريح بأن السينما المصرية تقف على أكتاف أجيال متعاقبة، وأن المستقبل لا يُبنى إلا فوق هذا الإرث المتراكم.
تكريم صناع المشهد السينمائي
توالت فقرات التكريم وفق الترتيب التقليدي الذي يتبعه المهرجان، بدايةً بالتكريم الدولي للمخرج التركي Nuri Bilge Ceylan، الحائز على السعفة الذهبية وأحد أبرز الأصوات المؤثرة في السينما المعاصرة، حيث نال تكريمه بصفته رئيس لجنة التحكيم الدولية.

بعد ذلك، صعد الفنان خالد النبوي إلى المسرح لتسلم جائزة فاتن حمامة للتميز، وألقى كلمة مؤثرة وجه فيها التحية إلى والديه، ومعلميه الذين أسهموا في صقل موهبته، والمخرج الراحل يوسف شاهين، كما عبر عن تضامنه مع صمود الشعب الفلسطيني. أما التكريم الأخير فكان من نصيب المخرج محمد عبد العزيز، الذي شكلت أعماله ملامح عقود من الكوميديا المصرية، وجاءت كلمته قصيرة ومتواضعة، إلا أن عبارته بأن السينما “تعطي أكثر مما تأخذ” لخصت روح الليلة العابرة للأجيال.
فيلم يعكس مزاج المهرجان
اختتمت مراسم الافتتاح بعرض فيلم The Blue Trail للمخرج البرازيلي Gabriel Mascaro، وهو عمل درامي حائز على جوائز في مهرجان برلين السينمائي، يجمع بين الصورة الشعرية والقضايا الاجتماعية الواقعية. وقد عكست نبرته الهادئة وتوتره الكامن وإيحاءاته السياسية الثيمات الأساسية للأمسية، من الذاكرة والفاعلية الفردية إلى تداخل الشخصي بالسياسي، في إشارة واضحة إلى أن اختيارات مهرجان القاهرة السينمائي هذا العام تتجه نحو سينما تُحرك المشاعر وتثير التفكير في آنٍ واحد.