خلال السنوات القليلة الماضية، أصبح مصطلح “الخوف من الالتزام” أو “commitmentphobe” متداولًا على نحو لافت ومقلق في آن واحد. ووفقًا لتعريفه الشائع، يشير هذا المصطلح إلى الامتناع عن الاستقرار العاطفي، أو الخوف من وضع مسمى واضح للعلاقة، أو، كما اعتدنا أن نسمعه كثيرًا، الانشغال المفرط بالعمل والعناية بالذات إلى حد يجعل الاستثمار في علاقة رومانسية أمرًا مؤجلًا. لكن بعيدًا عن هذه الأسطوانة المكررة التي نحفظها عن ظهر قلب، تكشف الحقيقة أن الناس ليسوا خائفين فعليًا من الدخول في علاقات عاطفية… بل متعبون.
إنه نوع جديد من الإرهاق
إن إرهاق العلاقات لا يتخذ شكل الدراما الصاخبة، بل يأتي هادئًا، زاحفًا، ومألوفًا بشكل مقلق. يتجلى في رسائل لا يُرد عليها، ومحادثات تُؤجل إلى الغد، وإحساس متزايد بأن التواجد داخل علاقة عاطفية يتطلب طاقة لم تعد متوفرة لديك في الوقت الحالي. وعلى عكس المشاجرات المشتعلة التي طبعت علاقات جيل آبائنا، فإن هذا الإرهاق هو ظاهرة احتراق داخلي؛ أقل ارتباطًا بالصراع وأكثر ارتباطًا بالاستنزاف.
الانفصالات الهادئة هي الخروج الجديد
في وقت مضى، كان التجاهل التام أو “Ghosting” هو الأسلوب المفضل لجيل الألفية في إنهاء العلاقات. أما اليوم، فقد أصبح المشهد أكثر نعومة. لم يعد الأزواج يقطعون علاقاتهم عبر اختفاء مفاجئ أو تصرفات درامية كبيرة؛ بل يميلون إلى ما يمكن وصفه بالانفصال الهادئة. وقد يتجسد ذلك في تقليل التواصل، أو خفض أولوية العلاقة، أو الانزلاق التدريجي إلى مساحة رمادية تشبه الصداقة… ولكن ليست صداقة فعلية. الهدف هنا ليس القسوة، بل الحفاظ على الطاقة. فالناس ينسحبون بهدوء، دون ضجيج، في محاولة لحماية ما تبقى لديهم من طاقة نفسية.
تنظيم الإيقاع العاطفي: الحب، ولكن بوتيرة أبطأ
سبب آخر لهذا الإرهاق يكمن في ما يمكن تسميته بتنظيم الإيقاع العاطفي. فكري فيه كنسخة بطيئة من المواعدة؛ بدل الاندفاع نحو المحطات التقليدية، التعارف مع العائلة، والخطط طويلة الأمد، والالتزامات الكبرى: يختار الأزواج التمهل، ومنح بعضهم البعض مساحة للتنفس. هذا الإيقاع العاطفي يقول: نحن معًا، ولكن دون الركض نحو الأبد. فلننج من هذا الأسبوع أولًا.
لماذا قد لا يكون هذا الأمر سلبيًا؟
وهنا تأتي المفاجأة: قد لا يكون هذا التحول سلبيًا على الإطلاق. فمن خلال الاعتراف بالإرهاق الجماعي الذي نعيشه، نعيد صياغة قواعد العلاقات بنهايات أكثر لطفًا، وجداول زمنية أبطأ، وجرعة أكبر من الرحمة. فالالتزام لم يختفِ؛ بل يعاد تعريفه وفق شروط أكثر إنسانية، تناسب جيلًا يعيش في وضع توفير الطاقة.

