قد تبدو هذه العبارة مفاجئة حين تصدر عن ممثلة يقوم عملها على التحضير الدقيق. لكن بالنسبة لشهد الشاطر، لطالما سار الحدس والانضباط جنبًا إلى جنب. فقبل أن يتعرف إليها الجمهور من خلال مقاطعها التي حققت انتشارًا واسعًا وأدوارها على الشاشة، كانت تراقب الناس بعين الممثلة. حركة عابرة، ونبرة صوت، وتفصيل صغير في تفاعل يومي… جميعها كانت تتحول إلى مادة خام لشخصيات ستمنحها الحياة لاحقًا.
وقبل أن تتعرف حتى على مصطلحات المسرح، جاء اختبار أداء خلال سنواتها الجامعية ليغيّر مسار حياتها بهدوء. ففي 23 سبتمبر 2018، فتحت بريدها الإلكتروني لتجد رسالة تخبرها بأنها تلقت Callback، وهي لم تكن تعرف حينها حتى معنى الكلمة. وبعد يومين، وخلال عطلة جامعية، حصلت على مشهد واحد فقط لتؤديه في الاختبار. وفي 26 سبتمبر، عُلّقت قائمة الممثلين النهائية، وكان اسمها يتصدرها في أول بطولة لها.
Image by Recmedia
Image by Recmedia
أول تحوّل
جاءت نقطة التحول الأولى في مسيرة شهد مع شخصية Claire، المرأة الأربعينية التي تعاني من فقدان الذاكرة النفسي، في مسرحية Fuddy Meers، والتي شكّلت أول ظهور لها على خشبة Malak Gabr Theatre في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC). كان الدور تحديًا كبيرًا لممثلة شابة، وتحديًا أكبر لمن لم تتلقَّ أي تدريب أكاديمي في التمثيل من قبل. وبين خمس متقدمات للدور، كانت ثلاث منهن يدرسن المسرح، الأمر الذي جعلها تشعر بضغط حقيقي لإثبات نفسها.
وبدلًا من الاعتماد على الموهبة الفطرية وحدها، انغمست شهد في دراسة الشخصية من جميع جوانبها. أمضت ساعات طويلة في مكتبة الجامعة الأمريكية بالقاهرة، تبحث في الكتب، والبودكاست، ومحاضرات TED، محاولةً فهم الحالة النفسية التي تعيشها Claire وكيف يمكن تجسيدها بصدق.
وجاءت نقطة التحول الحقيقية عندما تعرّفت على تقنية Animal Work بإشراف أستاذتها Jillian Campana، التي منحتها الأدوات العملية لتطوير شغفها بالتمثيل. ومن خلال تخيّل Claire كسمكة، استطاعت شهد أن تبني لغة جسدية كاملة للشخصية، حملتها معها على خشبة المسرح طوال العرض.
وتقول: «أول بطولة في حياتي علمتني كيف أستعد بعمق، وكيف ألتزم بالشخصية دون أن أفقد نفسي.»
ومنذ ذلك الحين، أصبح لكل شخصية بداية واحدة: الملاحظة، والبحث، وفهم الدوافع قبل أي شيء آخر. فبالنسبة لشهد، لا يأتي الأداء الصادق بالصدفة، بل هو ثمرة تحضير دقيق وعمل متواصل.
Image by RecmediaImage by RecmediaImage by RecmediaImage by Recmedia
البداية
قبل خشبة المسرح، كانت هناك شاشة تلفزيون وشريط كاسيت قديم. كانت شقيقتها الكبرى، هنا، تسجل حلقات Friends وفيلم Miss Congeniality فوق شريط Tom & Jerry الخاص بشهد، لتشاهدهما معًا مرارًا وتكرارًا. ومن خلال تلك اللحظات البسيطة، بدأ شغف شهد بالتمثيل يتشكل.
لكن تأثير هنا لم يتوقف عند حب الأداء. فقد غرست فيها أيضًا أهمية التحضير والمعرفة، وأن لا تدخل أي تجربة دون أن تفهم العمل، وحرفته، والأشخاص الذين يقفون خلفه. وتضحك شهد وهي تتذكر تلك المرحلة قائلة: «هي اللي كانت بتخليني أبان ذكية، وأنا أصلًا ماكنتش كده.»
العمل وراء الموهبة
قد يرى الجمهور النتيجة النهائية فقط، لكن بالنسبة لشهد، يبدأ الأداء الحقيقي قبل وقت طويل من تشغيل الكاميرا. فالتدريب المستمر كان وما يزال حجر الأساس في رحلتها، إذ ساهم المدربون والأساتذة وسنوات الممارسة اليومية في بناء منهج يعتمد على الانضباط والاستمرارية، لا على الموهبة وحدها.
وفي زمن أصبحت فيه الشهرة تأتي بسرعة، تمثل شهد نموذجًا مختلفًا للنجاح؛ نجاحًا بُني على الاستعداد والعمل الجاد، قبل أن يُبنى على الظهور.
عندما غيّرت لحظة واحدة كل شيء
مثل كثير من أبناء جيلها، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا في تسريع مسيرتها. جاءت نقطة التحول الأولى خلال فترة الجائحة، عندما نشرت مقطع فيديو ساخرًا وعفويًا عن الضغوط والتوقعات التي فرضها الحجر المنزلي على الجميع.
وفي صباح اليوم التالي، استيقظت على رسائل من أشخاص لا تعرفهم يطالبونها بتفعيل زر Share، وهو زر لم تكن تعلم بوجوده أصلًا.
توالت بعدها أعداد المتابعين، ورسائل الدعم، وحتى متابعات من كوميديين لطالما أعجبت بأعمالهم. تصف ذلك الشعور بأنه أشبه بالحصول على نجمتها الخاصة في Hollywood Walk of Fame.
ومع هذا الانتشار، بدأت الفرص المهنية بالظهور، من أول حملة إعلانية مدفوعة إلى التمثيل المهني وإدارة الأعمال. لكن بالنسبة لشهد، لم تكن الشهرة هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لبناء مسيرة مستدامة، تظل فيها الأولوية دائمًا للحرفة التي دفعتها إلى التمثيل منذ البداية.
Image by RecmediaImage by Recmedia
سرد الحكايات في كل عمل
من أكثر ما يميز شهد هو قدرتها على التعامل مع كل مشروع وكأنه شخصية مستقلة. سواء كانت تستعد لدور درامي، أو مشهد كوميدي، أو حملة إعلانية، تبدأ دائمًا بالسؤال نفسه: من هو هذا الشخص؟وتقول:
أتعامل مع كل حملة وكأنها شخصية، أمنحها قصة خلفية، وصوتًا، وطريقة في الحركة
ويتجلى هذا النهج بوضوح في الاسكتشات التمثيلية التي تكتبها وتخرجها وتؤديها بنفسها. فلكل شخصية سيرة ذاتية متكاملة، وتستثمر من مالها الخاص في الأزياء والشعر المستعار، وتحرص على أن يبدأ كل سيناريو بخطاف يجذب المشاهد وينتهي بلحظة تترك أثرًا.
كما تستند في بناء أعمالها إلى مفاهيم مثل Polysemy وIntertextuality، التي درستها على يد الدكتورة دينا بسيوني خلال دراستها لتخصص التسويق والاتصالات المتكاملة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (AUC). وبفضل هذه الأدوات، تضيف طبقات متعددة إلى كل عمل، بحيث يشعر الجمهور بأنه يشاهد شخصية حقيقية، لا مجرد إعلان، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الرسالة التي يرغب العميل في إيصالها.
مدرسة بدأت من المنزل
لم يكن اختيار هذا المسار المهني بالنسبة لشابة مصرية خاليًا من التحديات أو المخاوف المجتمعية، لكن داخل أسرتها، كان الدعم حاضرًا بشكل مختلف. فبدلًا من الرفض، اختار والداها أن يهيئاها لمتطلبات المهنة.
حرص والدها على أن تتقن الجانب العملي من الصناعة، بدءًا من قراءة العقود والتفاوض عليها، وصولًا إلى فهم الضرائب وكيفية الدفاع عن حقوقها داخل اجتماعات تضم كبار التنفيذيين وصناع القرار. أما والدتها، فغرست فيها أهمية العلاقات الإنسانية، والامتنان الحقيقي لكل من يساهم في نجاح أي عمل.
وتقول شهد إن الجمع بين هذين الدرسين جعل دخولها أي اجتماع أو تفاوض اليوم «يسير بسلاسة وكأنه سحر».
مسؤولية تجسيد الآخرين
وراء الكوميديا، والإبداع، والانتشار المتزايد، تكمن لدى شهد قناعة أعمق بشأن التمثيل.
تعترف بأن جزءًا منها يعيش داخل كل شخصية تؤديها، لكن هناك شخصية واحدة تركت أثرها عليها أكثر مما تركت هي أثرها عليها. ففي مسرحية Waiting for Godot، جسدت شخصية Pozzo، الرجل الذي يستمد قوته من السيطرة على الآخرين، بينما يخفي في داخله فراغًا كاملًا وفقدانًا للسيطرة على نفسه.
تقول إن العيش داخل هذه الشخصية لأشهر طويلة جعلها أكثر وعيًا بالحياة التي ترغب في أن تعيشها خارج المسرح؛ حياة تسمح لها بالتعبير عن مشاعرها في مساحة آمنة، وأن تختار بعناية الأشخاص الذين تمنحهم هذا الجزء من نفسها، وأن تتعلم مسامحة نفسها حين تخطئ في الاختيار.
“علّمني أستاذي Frank Bradley أن تجسيد حياة شخص آخر ورواية قصته شرف، بل شرف استثنائي. لذلك، لا ينبغي أبدًا التعامل مع هذه الفرصة باستخفاف”
Image by RecmediaImage by Recmedia
الفصل القادم
مع استمرار تطور مسيرتها الفنية، لا تنشغل شهد بسرعة الوصول بقدر ما تهتم بالنمو الحقيقي. قد تحمل المرحلة المقبلة أدوارًا أكبر، وإنتاجات أضخم، وحضورًا أوسع، لكن أولوياتها لم تتغير.
فالحرفة تأتي دائمًا أولًا.
وبالنسبة لممثلة تكمن قوتها الحقيقية في قدرتها على التحول إلى شخصيات مختلفة، فإن النجاح لا يُقاس فقط بحجم الشهرة أو عدد الأدوار، بل بمدى قدرة العمل على خلق رابط حقيقي مع الجمهور؛ تلك اللحظة التي يرى فيها المشاهد جزءًا من نفسه في الشخصية التي أمامه.
وربما كان هذا هو الهدف منذ البداية بالنسبة لشهد الشاطر؛ أن تروي قصصًا تجعل الآخرين يشعرون بأنهم مرئيون، ومفهومون، وأقل وحدة.