تخيّل هذا المشهد: أنت تسير في الشوارع المحيطة بالمنزل الذي نشأت فيه، في يومٍ كئيب على نحوٍ خاص، يوم كان مشمساً قبل دقائق قليلة فقط، لكن لا مساحة لديك للتفكير في تقلّبات الطقس، لأن انتباهك مشدود بالكامل إلى ذلك الجد العجوز الذي يسير متكئاً على عصاه، قادماً من الجهة المعاكسة لخطواتك. يمر بمحاذاتك مباشرة، وفي لحظة خاطفة تلتقط أنفك رائحة عطره، ليس Dior Sauvage بالتأكيد، بل عطر يشبه تماماً عطر جدك، ذاك العطر الذي تحبه وتعرفه عن ظهر قلب. يتسلل عقلك إلى مكانٍ آخر، ولو لثوانٍ قليلة.
تتوقف عن المشي دون أن تنتبه، ترفع نظرك إلى السماء، ثم تعيده إلى وجوه المارة، ثم تنظر إلى يديك لسببٍ غامض، فيما فكرة واحدة فقط تسيطر عليك: هل تحب حفيدته رائحة عطره كما كنت تحب أنت رائحة عطر جدك؟
يتشعب التفكير أكثر: هل لديه حفيدة أصلاً؟ هل يمشي وحيداً لأن زوجته توفيت؟ وهل كان متزوجاً من الأساس؟
تجد نفسك غارقاً في تأمل عميق لحقيقة أن هذا الرجل عاش حياةً كاملة، سنواتٍ وعقوداً سبقت وجودك على هذه الأرض، وهو الآن يحمل كل تلك السنوات بصمت؛ يحملها بما فيها من أثقال وذكريات وخيبات، بينما أنت لم تنجح بعد في استيعاب سنة واحدة منذ بلوغك. هل هو سعيد؟
ثم يأتي ذلك الشاب في العشرينات من عمره الذي يعبر الشارع أمامك مباشرة يبدو سعيداً بلا شك، لكن ربما هو يتصنع ذلك من أجل الفتاة التي تسير إلى جواره، هل هي حبيبته أم زميلته في العمل؟ وهل هو سعيد حقاً؟
تهز رأسك وتتابع السير، لكن شيئاً ما تغير. أصبحت تنظر إلى الجميع. تنظر حقاً. تلك الفتاة التي تعدل وشاحها في انعكاس زجاج السيارة، هل هي في طريقها إلى أمرٍ مهم، أم تحاول فقط أن تشعر بأنها أفضل اليوم؟ ذلك الفتى الذي يضع سماعات الأذن وعيناه معلقتان بالأرض، ماذا يسمع؟ موسيقى؟ أم رسالة صوتية يعيد تشغيلها مراراً؟ وهل هي لشخصٍ فقده؟
والآن أنت تنزلق في دوامة من الأفكار، لكن ليس بطريقة مظلمة. بل بطريقة جميلة. تكتشف فجأة أن هؤلاء الأشخاص لا يؤدون أدواراً ثانوية في قصتك أنت. إنهم ليسوا هنا من أجلك، ليسوا مجرد كومبارس عابرين. هم الأبطال الرئيسيون في حيواتهم الخاصة، لكل منهم قصة لن تسمعها، وانكسارات لن تشهدها، ونكات لن تضحك عليها، وموائد لن تجلس إليها يوماً.
إنه شعور طاغٍ. وأمر يُشعِر بالتواضع في الوقت ذاته.
وهو حزين قليلاً أيضاً. لأنك تريد أن تعرف. تريد أن تربت على كتف أحدهم وتقول له: احكِ لي ماذا يحدث في حياتك. تريد أن تجلس إلى طاولة مطبخ شخصٍ غريب وتستمع إليه وهو يتحدث عن شخصٍ أحبه، أو عن الطريقة المثالية التي يعد بها كوب الشاي، أو عن سبب ارتدائه اللون الأزرق كل يوم أربعاء.
لكنك لن تفعل. ولن تفعل أبداً. وتلك هي الغرابة المؤلمة والجميلة في آنٍ واحد.
وذلك الشعور، تلك اللحظة التي ينفتح فيها العالم فجأة وتدرك كم الحكايات التي لست جزءاً منها، له اسم.
اسمه “sonder“، أي الشعور بأن حياة كل شخص لا تقل تعقيداً عن حياتك.
هو الشعور الذي يجعلك تحس بصغرك، لكن ليس بطريقة موجِعة، بل بطريقة تُرقق قلبك من الداخل.
هو حين تتحول القاهرة، هذه المدينة التي ظننت أنك تعرفها، إلى فسيفساء حية. تبدأ في رؤية الناس على هيئة شذرات، لكن هذه الشذرات تبدو كأنها حيوات كاملة.
المرأة التي ترتدي العباءة وتقف عند بائع الفاكهة بعبوسٍ يبدو أثقل من الكيس البلاستيكي في يدها. سائق التاكسي الذي يرمش كثيراً. الطفل الجالس وحيداً على الأرجوحة. لا يمكنك إلا أن تتساءل: في أي فصلٍ من حياتهم هم الآن؟ وماذا يحملون معهم؟
تواصل السير. تهب نسمة هواء. تحاول الشمس أن تعود.
وربما يكون sonder هو هذا تحديداً: نوع من القرب الذي لا يحتاج إلى لمس. لحظة يفسح فيها قلبك مكاناً لحيوات لا تشملك.
ولثانية واحدة، يكون ذلك كافياً. يكون مجرد الإدراك كافياً.



