Search
Close this search box.

الجاذبية المؤلمة لسنوات العشرين

لماذا لا تكون سنوات العشرين ساحرة كما يُصور لنا

The Excruciating Appeal Of You
Image courtesy Unsplash / Bilal Ayadi

هل لاحظتِ يوماً كيف يتكرر الحديث، وبإلحاح شبه جماعي، عن أن العيش في العشرينات هو “أفضل وقت في حياتك”، وفي الجملة نفسها تقريباً يعترف المتحدثون بأنهم لن يعودوا أبداً إلى تلك المرحلة من أعمارهم مهما أُتيحت لهم الفرصة؟

إن جاذبية أن تكوني في العشرين، ساذجة بعض الشيء، جذابة، مليئة بالحيوية والمرح، لا تحمل في الواقع ذلك الوزن الذي يُنسب إليها حين نعيشها فعلياً. أنا لم أمكث في هذه المرحلة سوى عامين فقط، ومع ذلك أستطيع القول بثقة إنها كانت، على الأرجح، أسوأ فترة في حياتي. كل من اجتاز هذا العقد العمري يوصيك بأن تتذوقيه حتى آخره، وأن تحتسيه جرعة جرعة، وألا تتركي قطرة واحدة دون عيشها… لكن لدي إحساس خفي بأن ما يلي نهايته هو شعور بالارتياح يفوق بكثير أي إحساس بالحزن أو الفقد.

The Excruciating Appeal Of You
Image courtesy Unsplash / Ricky Tohriki

مغمورة بالخرافة

تتجلى فانتازيا وجاذبية العشرينات بهذه الصورة المبسطة: حياة نابضة، جاذبية طاغية، خفة في الروح والجسد حيثما كان ذلك مهماً، اجتماعية بلا حدود، وانفلات كامل من القيود، وهي صورة تبدو مغرية حدّ التخدير حين تُعرض نظرياً. لكن لنكن صادقين، فهذه النسخة من الشباب هي تلك التي نراها في مسلسل Friends، أو في منشورات الحنين المصقولة بعناية على Instagram. أنا مقتنعة تماماً بأنه لا يوجد في الحقيقة ما هو ساحر أو شاعري في أن تكوني في العشرينات، مفلسة، مشوشة، وعلى وشك أن تصطدمي بسيارة في عرض الطريق لأنك ببساطة لا تعرفين كيف تفهمين الحياة بعد؛ باستثناء ميزة صغيرة ربما، وهي أنك تستطيعين من حين لآخر تحمل كلفة العناية بأظافرك.

لا شيء نظيف أو نقي في هذا العقد العمري. فالعشرينات هي تصادم عنيف بين التوقعات، وغبار الأحلام، وواقع الندم الليلي المتأخر والحيرة الدائمة. هي اصطدام بين ما كنتِ تأملين أن تكونيه في هذه المرحلة من حياتك، وبين ما وجدتِ نفسكِ عليه فعلاً. هي التقاء كمال Pinterest مع صدمات بدأت تطفو على السطح. إنها تلك الحالة المعلقة بين اليقظة والنوم، حيث لا شيء ثابت، ومع ذلك يستمر العرض من دون أن يُستأذن أحد.

The Excruciating Appeal Of You
Image courtesy Unsplash / Malavika Pradeep

ثِقل الواقع

نحن نتحدث كثيراً عن العبء غير المعلن للرغبة في أن نكون كل شيء في الوقت ذاته: جميلات ولكن محترمات، ناجحات ولكن عفويات، واثقات بأنفسنا ولكن غير راضيات على الإطلاق عمن نكون، متحررات ولكن مركزات. ذلك الارتداد الذهني الحاد مرهق إلى حد الغثيان، وهو حقيقي تماماً، لكن لا أحد يبدو قادراً على معرفة كيفية إصلاحه فعلياً، وربما يكون هذا العجز تحديداً هو أكثر ما يؤلم. الأسوأ من ذلك أن هذا الصراع الداخلي غالباً ما يُدار في صمت، وكأنه فشل شخصي لا يُسمح بالاعتراف به علناً. فنحن نُطالَب بالتماسك الدائم، حتى عندما نكون على وشك الانهيار من الداخل.

توقعي الشخصي، والذي أظن أنه يشبه توقعات الجميع، هو أن التقدم في العمر وتراكم الخبرة يأتيان بالوضوح. فكلما قضيتِ وقتاً أطول داخل جسدك، يفترض أن يصبح من الأسهل أن تدركي متى يتألم وكيف يمكن مداواته، أليس كذلك؟ لكن ماذا لو لم يأتِ هذا الوعي بلطف؟ ماذا لو أن السكن الطويل في الجسد لا يجلب إجابات فورية، بل يضخم الأوجاع والآلام فحسب؟ ماذا لو، عند عبورك إلى المرحلة التالية، بدت كل هواجسك، وكل أسئلتك غير المجابة، وكل شكوكك أكبر حجماً، لكنها في الوقت نفسه أكثر قابلية للتعامل؟ ربما لا يكون النضج وعداً بالراحة بقدر ما هو تدريب على الاحتمال. وربما تكون القدرة على الاستمرار، لا الفهم الكامل، هي المهارة الحقيقية التي نتعلمها مع الوقت.

The Excruciating Appeal Of You
Image courtesy Unsplash / Sasha Freemind

ما الذي تعلمك إياه النجاة

أن تكوني في العشرين وتعيشين ما يسميه الجميع ذروة شبابك هو أمر موجع تحديداً لأنه غير مكتمل، وهذه هي المرة الأولى التي يصبح فيها دماغنا قادراً على إدراك معنى هذا النقص. أنتِ تتفككين أمام نفسك في الزمن الحقيقي، وتتعلمين أن صديقتك المقربة في الصف السابع ربما لم تكن صديقتك المقرّبة حقاً، لأنك آنذاك لم تكوني تعرفين حتى ما الذي يعنيه ذلك بالنسبة لك. تتعلمين أن كثيراً من العلاقات التي بدت حاسمة في وقتها لم تكن سوى محاولات أولى للفهم والانتماء. كما تدركين، متأخرة قليلاً، أن بعض الخسارات كانت ضرورية حتى لو كانت مؤلمة. وتتعلمين أن رغباتك ليست نابعة منك وحدك، بل تشكلت بفعل كل الأشياء التي لم تدركي، حتى الآن، أنك كنتِ تفتقدينها. وتتعلمين كل ذلك من دون مسافة تفصلك عن أخطائك السابقة، ومن دون أي قدر يُذكر من الحكمة اللاحقة التي قد تخفف وطأة الصدمة. كل شيء يحدث وأنتِ في قلبه، من دون فلتر، ومن دون فرصة لإعادة النظر بهدوء. ولهذا تبدو المشاعر أكثر حدة، والأسئلة أكثر إلحاحاً، والانكسارات أقل احتمالاً.

ربما لهذا السبب يُفرط الناس في رومَنة هذه المرحلة من الحياة. وربما لأنك، بعد أن تنجحي في النجاة منها، تمتلكين أخيراً رفاهية نسيان مدى حدتها وألمها في اللحظات التي كنتِ تكافحين فيها فعلياً للبقاء. فالمسافة الزمنية تُنعِم الذاكرة، وتحول الألم إلى حكاية قابلة للسرد. وعندها فقط، يبدو كل ما كان موجعاً كأنه جزء جميل من الطريق، لا الجرح الذي كاد أن يبتلعك في حينه.

مشاركة المقالة

مقالات ذات صلة

اشترك في النشرة الإخبارية المجانية للحصول على دليلك لاتجاهات الموضة ونقاط الحوار الثقافية وأخبار المشاهير والنصائح الحصرية.